
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لشرح فقرة «وَإذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ، لَا يتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إلَى الْمِراءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ»، تحدّث بدايةً عن مسألة الرياء، والدافع الكامن من ورائها، وكيفيّة حبطها للأعمال، ليُعرّج بعد ذلك على مسألة إظهار بعض الشخصيات بصورة غير واقعيّة، ودور مؤلّفي السير فيها، ثمّ تطرّق إلى ضرورة اشتغال الإنسان بأداء التكاليف من دون الالتفات إلى نتيجة أعماله أو موقف الناس منها، وألاّ يتعدّى اهتمامُه هذه التكاليف، وإلاّ سينقلب عمله إلى مراء ومباهاة، ليختم كلامه في الأخير بالحديث عن أهمّية الإخلاص قبل الشروع في العمل
العلاقة بين أداء التكاليف الإلهيّة والتحرّز عن المراء والمباهاة
12فقمت بالعديد من الأسفار، وتحدّثت كثيرًا، وما أكثر الأيّام التي كنت أسافر فيها صباحًا، وأرجع بعد ذلك عصرًا، وتحمّلت السهر عدّة ليالي من دون أن أنام حتّى الصباح، وتجشّمت الكثير من العناء؛ كلّ ذلك في سبيل عدم تحقّق ذلك الأمر، حيث يوجد الآن جميع الكلام والمسائل المطروحة في ذلك الحين؛ فكم هي المسائل التي أثيرت ضدّ ذلك الأمر؛ وفي المقابل، تمّ اللجوء إلى مجموعة من ردود الأفعال، وطَرَح بعضُ الجهلة عدّة مسائل، مع أنّه توجد أمور أخرى لا داعي لذكرها الآن.
كلّ ما يتجاوز أداء التكليف ينقلب إلى مراء ومباهاة
والنقطة الأساسيّة تكمن هنا؛ وهي أنّه بعد مرور سنتين، وبعد ظهر أحد الأيّام، رأيت المرحوم العلاّمة في المنام، فشاهدت صحراء شاسعة جدًّا يوجد فيها مستنقع عميق جدًّا وبالغ الخطورة، وأنا واقف إلى جانبه، والمرحوم العلاّمة واقف في الطرف المقابل، فأردت عبور هذا المستنقع، حيث وضعت رجلي قليلاً داخله، فوجدت أنّ المسألة لا مزاح فيها، وأنّ المستنقع يجرف الإنسان إلى الأسفل؛ لكن تقع إلى جانبه أرضٌ ترابيّة بمقدار متر واحد، فمشيت على هذه الأرض الصلبة والترابية، إلى أن وصلت إليه، فالتفت إليّ وقال: «هل جرّبت؟ هل جرّبت؟»، فقلت له: «أجل»؛ ولا يخفى أنّني لم أكن أتكلّم، بل كنّا نتبادل المعاني فقط؛ فهو لم يكن يتحدّث، وأنا بدوري لم أكن أتكلّم، بل كان هناك انتقال للمعاني فقط، حيث قال: «هل جرّبت؟»، فقلت له: «نعم»، قال: «كلامك الحقّ لا يفهمه أحد، وعليك من الآن فصاعدًا أن تلتزم الصمت».
يعني: لقد انتهى الأمر؛ فقبل هذه اللحظة، كان من المفروض أن أتكلّم، لكن، من الآن فصاعدًا، لا توجد أيّة فائدة مرجوّة، وتمّ البحث عن: ما الذي سيحصل؟ وانتهى الكلام؛ فإذا كان من المقرّر أن يستوعب أحد الحقيقة، فقد استوعبها، وإذا كان المفروض ألاّ يستوعبها أحد، فذلك شأنه، وما علاقتي أنا بذلك؟ بل ومن أكون أنا؟! لقد بلغ الأمر درجة، بحيث كنت أقول: «إثنان زائد إثنان»، فكانوا يقولون: «خمسة»؛ وحينما يصير الأمر بهذا النحو، ماذا عسى الإنسان أن يقول؟ فقد صارت إثنان زائد إثنان خمسة! حيث يُقال أحيانًا ذلك؛ فإلى الآن، كانت أربعة، لكن، يتغيّر نظام العالم، فتصير خمسة، أو ستّة، ولا يهمّ، بل كلّما صارت أكثر، كان أفضل!! فما هو المشكلة في أن تصير إثنان زائد إثنان عشرة؟! وحينئذ، من هم هؤلاء الذين تُريد أن تتحدّث معهم وتُبيّن لهم المسائل؟ لقد أفصحت عن الأمور ووضّحتها، فهذا يكفي، وكلّ كلام بعد ذلك سيضحى مراءً، وجدالاً، ونزاعًا، وخصامًا، وشجارًا، ومباهاةً، وتفاخرًا، وإبرازًا للوجود، وسعيًا وراء المكانة.
