
الإنسان مظهر لجميع الأسماء والصفات الإلهية
هل الأفعال لها أثر تكويني على تشكّل النفس؟ ما معنى حمل النفس لجميع الصفات الإلهية بشكل محدود؟ ما هي أهمية العمل والمراقبة والتربية في ظهور هذه الصفات على الإنسان؟ هل اختبار الوقوف أمام الحق مختص بقسم من الناس أم أنه شامل للجميع؟ أسئلة أجاب عليها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه الجلسة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى من قبيل أنّ الأحكام الشرعية تابعة للأمور التكوينية، وأنّ الأحكام الشرعية الصحيحة لا توجب الكدورة للإنسان، وأن الآثار التكوينية التي يلحظها العوام هو الثواب والعقاب ولكن هناك مرتبة أعلى منها وهي مرتبة العبودية لله تعالى، وأنّ حقيقة التشريعات هي للوصول إلى التوحيد الواقعي لا الالتفات إلى ظاهر الواجبات والمحرّمات.
الإنسان مظهر لجميع الأسماء والصفات الإلهية
4المطلب الآخر الموجود في المقام والذي سنتحدّث عنه بشكل مقتضب، ونترك الحديث عنه مفصلاً إلى أن يشاء الله، وننتهي هذا الأسبوع من هذه الفقرة، لنشرع بالفقرات الأخرى.
جامعية الإنسان للصفات والأسماء الإلهية
المطلب الآخر عبارة عن جامعية الإنسان في الصفات والأسماء التي جعلها الله تعالى فيه، فالله تعالى عالم، وبالتالي خلق الإنسان عالماً، والله تعالى قادر وخلق الإنسان قادراً، والله تعالى رؤوف وقد خلق الإنسان رؤوفاً، الله تعالى قهّار خلق الإنسان قهّاراً، وهلّم جراً، فجميع الصفات والأسماء الإلهية التي في مقام الذات [موجودة في الإنسان]، طبعاً العلم بمراتبه العالية، والقدرة كذلك والرزق أيضاً، لا في المرتبة المحدودة التي نتصوّرها من العلم والقدرة والرزق والرأفة والقهارية. فالله تعالى خلق الإنسان بهذه الكيفيّة، غاية الأمر أعطاه من هذه الصفات وما يتحمّلها بما يتناسب مع الظرفية التي أعطاه إياها وخلقه فيها، يعني أنّ الكمال والبقاء بعد الفناء الذي سيحصل عليه أي شخص مختلف عن الكمال والبقاء الذي يحصل عليه شخص آخر. فأولياء الله لديهم مراتب مختلفة في هذه المسألة، ويمكننا أن نعرف ظرفية كل منهم وسعته من خلال أعماله في هذه الدنيا وفي عالم الكثرة، وبذلك نعرف أن أياً منهم لديه سعة وظرفية أكثر من الآخر، وأياً منهم سعته أقل. هذه مسألة بحاجة إلى تخصّص لكي يعرف الإنسان تلك الملاكات والمعايير التي جعلها الله فينا.
اختلاف الأئمة عليهم السلام في السعة والظرفية
بل حتى الأئمّة عليهم السلام مختلفون فيما بينهم في مقام الكثرة وفي مقام البقاء، فليسوا سواء من حيث السعة والظرفية، فسعة أمير المؤمنين عليه السلام أوسع من سائر الأئمّة، كما أنّ الإمام الحسن عليه السلام له نحو، والإمام سيد الشهداء عليه السلام له نحو آخر، والإمام السجاد له نحو، وكذا الإمام الرضا.. فكل إمام له نحو خاص من الوجود، في عين أنهّم بأجمعهم يمكنهم أن يُعملوا إرادتهم في الأمور المؤثّرة في عالم الكثرة بمقدار ما يريدون، لكن الظرفية والسعة الوجودية للأئمّة عليهم السلام مختلفة فيما بينهم ـ كما ورد في الروايات ـ في حين أنّهم جميعاً يردفون من محل واحد ونور واحد. كما أنّهم مختلفون من جهة الأخلاق الظاهرية، حيث لم يكن الأئمة عليهم السلام على نسق واحد من الأخلاق؛ فبعضهم لم يكن يمزح أساساً، أو أنّ علاقته بالناس كانت على نحو خاص، كما ذكرت الروايات الواردة في هذا المجال، بينما بعض الأئمّة عليهم السلام كان كثير المزاح، ومن جملة من كان كثير المزاح من الأئمة نفس أمير المؤمنين عليه السلام، بحيث أنّ الناس كانوا ينظرون إليه كأنّهم أحدهم، يعني أنّه في نفس الوقت الذي كان يظهر فيه مقام الجبروتية والكبريائية والقهارية بحيث لم يكن أحد يجرأ أن يتنفّس أمامه، كان من جهة الأنس والمحبة وغيرها كأحدنا. وقد شاهد الصحابة رسول الله أنّه كان يمزح، لكن ليس كأمير المؤمنين، ومن جهة أخرى قليلاً ما كان يرى رسول الله يثور غاضباً، بينما الأمر على العكس عند أمير المؤمنين إذ كثيراً ما كان يرى غاضباً. فكل واحد لديه أخلاق مختلفة عن الآخر؛ فالإمام السجاد لم يكن كذلك، بل كان له عالم آخر وبنحو آخر، وكذا الإمام الصادق كان بنحو آخر، وكذا الإمام العسكري، وكذا كل إمام منهم كان لديه نوع من ظهور الباري تعالى في مقام الكثرة ومقام النفس وعالم الدنيا. مع ملاحظة أنّ جميع تلك الأمور والاختلاف كان مع امتلاكهم جميعاً للوسائل الضرورية للتربية في عالم الوجود (كل يوم هو في شأن).
