
الإنسان مظهر لجميع الأسماء والصفات الإلهية
هل الأفعال لها أثر تكويني على تشكّل النفس؟ ما معنى حمل النفس لجميع الصفات الإلهية بشكل محدود؟ ما هي أهمية العمل والمراقبة والتربية في ظهور هذه الصفات على الإنسان؟ هل اختبار الوقوف أمام الحق مختص بقسم من الناس أم أنه شامل للجميع؟ أسئلة أجاب عليها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه الجلسة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى من قبيل أنّ الأحكام الشرعية تابعة للأمور التكوينية، وأنّ الأحكام الشرعية الصحيحة لا توجب الكدورة للإنسان، وأن الآثار التكوينية التي يلحظها العوام هو الثواب والعقاب ولكن هناك مرتبة أعلى منها وهي مرتبة العبودية لله تعالى، وأنّ حقيقة التشريعات هي للوصول إلى التوحيد الواقعي لا الالتفات إلى ظاهر الواجبات والمحرّمات.
الإنسان مظهر لجميع الأسماء والصفات الإلهية
13يقول المرحوم العلامة بأنّه قيل له في المنام إذا فعلت ذلك فهذا مصيرك، لذا لا يمكننا أن نقول شيئاً من تلقاء أنفسنا أو نغير ونبدّل، وإذا غيّرنا أو بدّلنا فسوف نكون مورداً للخطاب الذي ورد في القرآن الكريم للنبي. هذا هو وليّ الله، وليّ الله ليس لديه شيء من نفسه، ولا يضيف أو ينقص من نفسه. هكذا ينبغي أن ننظر إلى المسألة! هكذا ينبغي أن نبحث الأمور.
نظرة العوام لتأثير الأفعال هي مسألة الثواب والعقاب
هذه المسألة ترجع إلى كيفية تأثير الأفعال على النفس، وبناء على هذه النظرة، فالعمل الذي يقوم به الإنسان في أي مقطع ينبغي أن ينتظر منه أثراً معيّناً، يعني ينبغي أن ينتظر أن يرى أثر فعله؛ فإذا صلى عليه أن يرى أثر الصلاة، وإذا صام عليه أن يرى أثر الصوم، ولا إشكال في هذا الأمر؛ لأنّ عامة الناس هم كذلك، فالذي يحرّكهم ويرغّبهم في الامتثال هو ترتّب الأثر؛ فإذا صلّى أعطي الحور العين، وإذا صام أعطي في ذاك العالم الغلمان وأمور أخرى، وإذا حج فعلى أساس أن يعطى تلك المنافع والأمور في الآخرة، وإذا أنفق فعلى أساس أن يعطى عشرة أضعاف أو مائة ضعف بحسب اختلاف الموارد.. فإن قيل له مهما أنفقت فلن تُعطى يوم القيامة شيئاً على ذلك، وإن قيل له مهما صليّت فلن تحصل على حور العين في ذلك العالم، فسوف يترك الصلاة. إنّ جميع ما يقوم به الناس في هذه الدنيا قام به على أساس أن يصل إلى المنافع التي وُعد الوصول إليها في ذلك العالم، هكذا يفعل الناس، وهذه مرتبة من العبودية.
المرتبة الأعلى هي أن لا يرى نفسه في مقام العبودية
لكن هناك مرتبة أعلى من هذه، وهي التي تتكلّم عنها هذه الفقرة الثانية من كلام الإمام الصادق عليه السلام التي يقول فيها الإمام وجملة اشتغال المؤمن ينبغي أن يكون فيما أمره الله تعالى به وأن يكفّ نفسه عمّا نهاه الله تعالى عنه، هناك مسألة أعلى منها، وهي أن لا يرى نفسه في مقام العبودية أنّه موجود ذو اختيار. عندما يخالف الإنسان ـ بناء على النظرة الأولى ـ فالعمل الذي يقوم به يكون من منطلق الرغبة في الوصول إلى المنفعة، فيقوم بهذا العمل لكي يصل بعده إلى تلك المنفعة، ويكفّ نفسه عن الحرام ليصل إلى تلك المنفعة. بينما بناء على النظرة الثانية، لا يوجد هناك رغبة أساساً، بل عندما يقول الله تعالى صلِّ، يقول لبيك! وعندما يقول الله صم، يقول طاعة! أما ماذا يترتّب على الصوم، فالعبد لا يفكّر في ذلك! ولا يفكّر فيما يترتّب على الصلاة، بل يأتي بالإطاعة والامتثال فقط لأجل المحبوب، ويأتي بالفعل فقط لأنّه هو أمره به! ولأنّه هو الذي طلبه وأراده. ألا نرى نحن هذا الأمر بين شخصين يوجد بينهما محبّة؟! فعندما تكون هناك محبّة بين اثنين وتشتدّ هذه المحبّة، فما الذي يقع في ذهن المحبّ بالنسبة إلى محبوبه؟ لا يفكّر إلا في العمل الذي إذا فعله يسرّ محبوبه، لا يريد أكثر من ذلك، فالغاية عنده هي مسرّة محبوبه، ولا يريد شيئاً آخر غير ذلك! فما يريده هو منتهى ما يتصوّره المحبوب.
