
التدبير وأداء التكليف
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «ولايُدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تدبيرًا»، تحدّث بدايةً عن خضوع السالك لمعيار في كلّ شؤون حياته، وعن ضرورة امتثاله لأوامر الأستاذ الكامل لبلوغ مراتب الكمال، ثمّ بيّن أنّ إمام الزمان عليه السلام لا يفرق لديه الحضور والغياب، وأنّ دوره إيصال الإنسان إلى مرتبته هو، ثمّ عرّج على مسألة التدبير ووجود معيار في كافّة المسائل المادّية والمعنويّة، ليستنتج أنّ مقام العبوديّة يقتضي أن يكون المحرّك الأساسيّ للإنسان في أفعاله أداءُ التكليف بأحسن وجهٍ، ومن دون تعلّق قلبه به أو انتظار نتائجه.
التدبير وأداء التكليف
8لقد حصل مرارًا وتكرارًا أن جئت إلى العديد من الجلسات ـ سواءً هنا أو في مكان آخر ـ لأجل الحديث، وقبل أن أشرع في الكلام، يأتي أحدهم، أو إثنين، أو ثلاثة، أو عشرة أفراد، فيقولون لي: «يا سيّدي، أنت تُريد اليوم أن تقول كذا»! فيُخبرونني بما سأقوله من أوّله إلى نهايته؛ فتفضّلوا إذن! فهل هؤلاء كانوا إمام الزمان؟! لا يا عزيزي! فالله تعالى يمنح للإنسان نورًا، ويهبه باطنًا، ويُعطيه نفسًا، فيتسنّى له الاطّلاع، وهذا ليس أمرًا ذا بال!
فليس إمام الزمان هو الذي يقتصر على المعرفة والاطّلاع، بل إمام زماننا هو المـُجري لأصل كلّ المسائل والأمور والأحداث؛ أي أنّها تجري على يديه؛ وحينئذ، هل يكون إمام الزمان هذا غير مطّلع على أحوالكم؟! وهل ينبغي حتمًا أن يأتي إمام الزمان إلى منزلكم، فتجلسون إلى جانبه؟! فهذا لن يكون إمام الزمان، بل سيكون إنسانًا عاديًّا كبقيّة الناس؛ مع أنّه عليه السلام حدّد لنا الطريق بهذا النحو؛ وإلاّ، ففي أيّة رواية من الروايات، قيل لنا: لكي يصل الإنسان إلى معرفة الله تعالى، عليه أن يرى إمام زمانه في الظاهر؟ في أيّة رواية؟ وهل توجد في أيّة كلمة من كلمات العظماء إشارةٌ إلى هذه المسألة، وأنّ الطريق إلى الله تعالى مُغلق، اللهمّ إلاّ أن يكون للإنسان ارتباط بدنيّ وظاهريّ بوليّه المطلق.. الإمام المعصوم عليه السلام؟!
فالكلام المنقول عن المرحوم الشيخ حسن عليّ الأصفهانيّ الذي يقول فيه: «إنّ الطريق في هذا العصر مُغلق ومُقفل؛ لكن، هناك فارق بين أن يقف الإنسان خلف الباب، ويتّخذ بيته إلى جانبه، وبين أن يمشي في الشارع، ويسلك طريقه الخاصّ»۱ هو كلام خاطئ ومجانب للصواب.
فإمام الزمان عليه السلام لا يفرق لديه الغيبة والظهور؛ وهو حاضر مع وجود كل واحد منا، وهو موجود إلى جانب كلّ واحد منّا الآن وفي هذا المجلس؛ فهذا هو إمام الزمان الحقيقيّ؛ وهذا هو رأي أولياء الله تعالى والعرفاء الإلهيّين بخصوص مقام الولاية الكبرى؛ وأذكر أنّني كنت جالسًا ذات يوم عند المرحوم السيّد الحدّاد، فطلب منه أحدهم لقاء إمام الزمان، حيث كنت جالسًا هناك أستمع، فالتفت إليه، وقال له: «إن كنت ترغب في لقائه عليه السلام، فهذا هو البرنامج: أدّ العمل الكذائيّ طيلة عشرين يوم، وفي اليوم الحادي والعشرين، أو في نفس تلك الأيّام، سوف تلتقي به ظاهرًا!»؛ لكنّه قال له بعد ذلك: «ابحث عن إمام الزمان الذي يوجد معك الآن غير أنّك هجرته! وإلاّ، فهو غير مهجور، ونقّب عن إمام الزمان الموجود في قلبك».
- لمزيد من الاطّلاع على هذه المسألة، راجع كتاب: نشان از بىنشانها، ج ۱، ص ۱٤۰؛ وقد عُرّب هذا الكتاب تحت عنوان: سيماء الأولياء وكراماتهم (المعرّب)
