
التدبير وأداء التكليف
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «ولايُدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تدبيرًا»، تحدّث بدايةً عن خضوع السالك لمعيار في كلّ شؤون حياته، وعن ضرورة امتثاله لأوامر الأستاذ الكامل لبلوغ مراتب الكمال، ثمّ بيّن أنّ إمام الزمان عليه السلام لا يفرق لديه الحضور والغياب، وأنّ دوره إيصال الإنسان إلى مرتبته هو، ثمّ عرّج على مسألة التدبير ووجود معيار في كافّة المسائل المادّية والمعنويّة، ليستنتج أنّ مقام العبوديّة يقتضي أن يكون المحرّك الأساسيّ للإنسان في أفعاله أداءُ التكليف بأحسن وجهٍ، ومن دون تعلّق قلبه به أو انتظار نتائجه.
التدبير وأداء التكليف
4وبشكل عامّ، فإنّه من اللازم أداء الأعمال التي تُطلب من الإنسان بنحو أحسن؛ وأمّا إذا قصّر أحدهم في ذلك، أو أنّ الفرصة لم تسمح له كثيرًا بذلك، أو أنّ اهتمامه كان ضعيفًا، فإنّ المثل التالي سيصدق هنا: «گر گدا كاهل بود تقصير صاحبخانه چيست»۱؛ أي أنّ ذلك سيرجع إليه هو؛ لكن، بشكل عامّ، توجد مسائل أساسيّة ومصيريّة يُعدّ انتهاكُها مخالفة، ولا يُمكن التغاضي عنها.
أذكر أنّه حينما كان المرحوم العلاّمة يُشير إلى هذه المسائل، فإنّ نفس ذلك الشخص كان يُشارك في الأمور السياسيّة ويحضر الاجتماعات التي كان تُعقد، وقد كان من الفضلاء والعلماء، وكانت تُقام في ذلك الزمان سلسلة من الاجتماعات، وكان يحضرها هو، ويُقدم على مجموعة من الأمور، حيث كانت هناك ثلّة من الأشخاص في ذلك العصر يهتمّون بهذه الأعمال؛ فالتفت ذلك العالم إلى المرحوم العلاّمة، وقال له: «تسهُل عليّ الطاعة في كلّ مسألة تأمرني بإنجازها، اللهمّ إلاّ في المسائل السياسيّة التي أرجو منك أن تعفيني فيها، وتسمح لي بالاستمرار في تلك الأعمال التي شرعت فيها، وأنا الآن منهمك في أدائها»؛ فقال له المرحوم العلاّمة: «بالمناسبة، فإنّ مرادي يتعلّق بهذه المسائل بعينها».
إنّ وليّ الله مطّلع على محلّ الإشكال، والموضع الذي توجد فيه المشاكل! فبما أنّك مواظب على الصلاة، فلا حاجة لكي نأمرك بأدائها؛ وباعتبار أنّك لا تحتسي الخمر وأمثال ذلك، فإنّنا لا نحتاج لأن نقول لك: «يا سماحة حُجّة الإسلام، لا ينبغي عليك احتساء الخمر»؛ إذ لا معنى لهذا الأمر بتاتًا؛ وهكذا الشأن بالنسبة لبقيّة الأمور المشينة؛ وحتّى بالنسبة للمستحبّات، فإنّها تُراعى إلى حدّ ما. لقد كنّا نُشاهد هذه المسائل كثيرًا في عهد المرحوم العلاّمة، وأنّه حينما كان يُلقي كلامًا، فإنّه كان يُصيب الهدف بشكل دقيق، ويتحدّث عن عين ذلك الأمر الذي يخطر في البال ويُؤدّي إلى تعلّق النفس؛ وفي هذه الحالة، كان البعض يُدرك المسألة، لكنّه كان يتجاهلها، ويتجاوزها؛ بينما كان البعض الآخر يستوعب المسألة، ويتعامل معها بفطنة، فيعمل بها، ويقطف ثمارها؛ فالأمر هنا يرجع إلى كيفيّة تعامل كلّ واحد مع هذه المسائل.
- يقول: إن كان المستجدي متقاعسًا، فما ذنب صاحب المنزل؟!
