
التدبير وأداء التكليف
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «ولايُدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تدبيرًا»، تحدّث بدايةً عن خضوع السالك لمعيار في كلّ شؤون حياته، وعن ضرورة امتثاله لأوامر الأستاذ الكامل لبلوغ مراتب الكمال، ثمّ بيّن أنّ إمام الزمان عليه السلام لا يفرق لديه الحضور والغياب، وأنّ دوره إيصال الإنسان إلى مرتبته هو، ثمّ عرّج على مسألة التدبير ووجود معيار في كافّة المسائل المادّية والمعنويّة، ليستنتج أنّ مقام العبوديّة يقتضي أن يكون المحرّك الأساسيّ للإنسان في أفعاله أداءُ التكليف بأحسن وجهٍ، ومن دون تعلّق قلبه به أو انتظار نتائجه.
التدبير وأداء التكليف
3ففي كلّ مسألة من المسائل، وضع الله تعالى للسالك ميزانًا ومعيارًا؛ فإذا تحرّك في نطاقة، فإنّه سيصل بطبيعة الحال إلى تلك المرتبة من الفعليّة؛ وإلاّ، فإنّ هذه المرتبة ستظلّ ناقصة بالنسبة إليه؛ وهذا أمر لا شكّ فيه بتاتًا.
أذكر أنّه قبل الثورة؛ أي قبل سنة سبعة وخمسين هجريّة شمسيّة والتي وقعت فيها مجموعة من الأحداث في هذا البلد، وكان الكلام يدور حول حصول تغيير وتحوّل في الأفكار، وغمرت حُمّى المسائل السياسيّة المجتمع، جاء في ذلك الوقت أحد المشايخ والمعمّمين الذين هم الآن في عداد الموتى، وانتقلوا إلى رحمة الله تعالى عند المرحوم العلاّمة بطهران، طالبًا منه تهيئة المقدّمة الموصلة إلى الطريق؛ أي طلب منه المساعدة والهداية والإرشاد؛ وقد كان من مشايخ قمّ، ويقطن هناك؛ وكُنت منهمكًا في الدراسة بالغرفة المجاورة، وأسمع كلامهما، حيث كانا يتحدّثان قريبًا منّي، فيصل صوتهما إلى مسامعي؛ ومن بين الكلام الذي سمعت المرحوم العلاّمة يقوله له: «أنا لست عاطلاً عن العمل، وأوضاعي لا تسمح لي بـأن أُبقيَ بابي مفتوحًا لكي يأتي من يُحبّ، ويذهب من يُحبّ، لا! فعملي في نهاية المطاف يخضع للحساب؛ لأنّني أدير مسجدًا، ولديّ منبر للخطابة، وأشتغل بالتأليف؛ فحالي لا يُشبه حال بقيّة الناس في الأمكنة الأخرى»؛ ومن المحتّم أنّ السادة مطّلعون على ما يحدث في الأمكنة الأخرى، حيث يبقى باب البيت مفتوحًا من الصباح إلى الظهر، فيأتي الناس، ويذهبون؛ ويُقتصر فقط على هذا المجيء والذهاب؛ وقال: «لا! فأنا لديّ اشغال، وحياة خاصّة، وتأليفات؛ والأفراد الذين أرتبط بهم ولديهم اطّلاع على هذه المسائل خاضعون لبرنامج محدّد، ومطالبون بالامتثال لما يُقال لهم».
ضرورة امتثال السالك لأوامر الأستاذ الكامل لبلوغ مراتب الكمال
أجل، يبقى أنّ هذه الطاعة على قسمين: الطاعة في دائرة المسائل الرئيسيّة والأمور المهمّة، حيث يُعدّ انتهاكُها انتهاكًا لأمر صريح، ومخالفةً قطعيّة، ولا يُمكن التغاضي والعفو عنها؛ لكن، هناك مسائل أخرى، تختلف عن هذه، بحيث إذا لم يقم بها أحدهم، فإنّه سيُلحق الضرر بنفسه، ولا يُمكن أن يعدّها الإنسان مخالفة جادّة؛ نظير أن يُقال: لا تتناول الطعام الكذائيّ، أو عليك القيام بالمسألة الكذائيّة، أو من الأفضل أن تُقلّل من مصاحبتك ومعاشرتك لبعض الأشخاص، وتواصلك معهم؛ هذا، مع أنّنا سنتحدّث لاحقًا عن هذه المسائل، وستأتينا كلمات الإمام الصادق عليه السلام المطروحة في هذا المجال.
