
التدبير وأداء التكليف
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «ولايُدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تدبيرًا»، تحدّث بدايةً عن خضوع السالك لمعيار في كلّ شؤون حياته، وعن ضرورة امتثاله لأوامر الأستاذ الكامل لبلوغ مراتب الكمال، ثمّ بيّن أنّ إمام الزمان عليه السلام لا يفرق لديه الحضور والغياب، وأنّ دوره إيصال الإنسان إلى مرتبته هو، ثمّ عرّج على مسألة التدبير ووجود معيار في كافّة المسائل المادّية والمعنويّة، ليستنتج أنّ مقام العبوديّة يقتضي أن يكون المحرّك الأساسيّ للإنسان في أفعاله أداءُ التكليف بأحسن وجهٍ، ومن دون تعلّق قلبه به أو انتظار نتائجه.
التدبير وأداء التكليف
22تذكّرت الآن قصّة نقلها المقريزيّ في كتابه على ما يبدو۱؛ ففي أحد الأيّام، كان المتوكّل جالسًا مع أصحابه، فدار الكلام بينهم حول الأسلحة والوسائل الحربيّة السائدة في ذلك العصر، فقال واحد منهم: «سمعت أنّ أحدهم في بلاد الهند صنع سيفًا يستطيع بواسطته قسم الحجر إلى شطرين، وفِعلَ كذا للخشب، وكذا للحديد؛ وهو سيف لا نظير له»؛ فشُغف المتوكّل كثيرًا بهذا السيف؛ ممّا دفعه لإرسال مجموعة إلى الهند من أجل العثور على ذلك الرجل، لكي يحصلوا على السيف في مقابل مبالغ طائلة، وقالوا له: «نعطيك كلّ ما تريد، فهل ترغب في أكثر من ذلك؟»، فتمكّن من جني ثروة كبيرة جدًّا، حيث قالوا له: «إنّ خليفة المسلمين يُريده»، فأخذوا السيف، وجاؤوا به. وقد تعجّب الجميع واحتاروا من حدّة ذلك السيف، وجودته، وطريقة صُنعه، وكيفيّة عمله؛ ثمّ لم يعرفوا ماذا يفعلون به: هل يعطونه للخليفة؟ أم لابنه؟ وفي الأخير، استقرّ رأيهم على أن يمنحونه للحارس الشخصيّ للخليفة الذي يقف دائمًا عند رأسه، فيُمسك السيف بيده، ويهوي به على رأس كلّ من يسعى للاعتداء على الخليفة وجسده المبارك؛ لكنّ هذا السيف لم يهوِ إلاّ على رأس المتوكّل بعينه! وذلك في قصّة طويلة ثار فيها ابنه عليه؛ فهذا هو مآل التدبير الذي قام به هؤلاء، وقولِهم: «علينا ترسيخ مكانتنا تحفّظًا عمّا سيقع في المستقبل»؛ لا يا عزيزي! لا قيمة لهذه المسائل، فعلينا أن نهتمّ بيومنا، ونرى ما هو التكليف الملقى على عاتقنا اليوم، ونسعى لتأديته.
ومن هنا، حينما يقول الإمام عليه السلام: «لا يُدبّر العبدُ لِنفسه تدبيرًا»، فإنّ ذلك يعني أنّه على الإنسان ألاّ يشغل فكره بأمور المستقبل، وبنتيجة الأعمال التي يُريد القيام بها، بل عليه السعي في كلّ آن لأداء وظيفته التي حدّدها، سواءً توصّل إلى نتيجة أم لا؛ لأنّ ذلك خارج بأجمعه عن مقام العبوديّة.
ندعو العليّ القدير أن يُثّبتنا إن شاء تعالى على طريق أوليائه، وعلى مقام العبوديّة، ويُوفّقنا لفهم تلك المعارف الإلهيّة التي تُمكّننا من بلوغ فعليّاتنا، ويجعل ولاية أوليائه مراقبةً ومشرفةً دائمًا على كافّة أفعالنا وتصرّفاتنا وأقوالنا وأفكارنا.
- أبوالعبّاس تقيّ الدين أحمد بن عليّ المقريزيّ (۷٦٦ - ۸٤٥ ق) من أشهر المؤرّخين في القرنين الثامن والتاسع للهجرة.
