
التدبير وأداء التكليف
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «ولايُدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تدبيرًا»، تحدّث بدايةً عن خضوع السالك لمعيار في كلّ شؤون حياته، وعن ضرورة امتثاله لأوامر الأستاذ الكامل لبلوغ مراتب الكمال، ثمّ بيّن أنّ إمام الزمان عليه السلام لا يفرق لديه الحضور والغياب، وأنّ دوره إيصال الإنسان إلى مرتبته هو، ثمّ عرّج على مسألة التدبير ووجود معيار في كافّة المسائل المادّية والمعنويّة، ليستنتج أنّ مقام العبوديّة يقتضي أن يكون المحرّك الأساسيّ للإنسان في أفعاله أداءُ التكليف بأحسن وجهٍ، ومن دون تعلّق قلبه به أو انتظار نتائجه.
التدبير وأداء التكليف
20لقد سمعته يقول: «أريد أن أذهب إلى مشهد»، لكنّني رأيت أنّ الحقائب التي يجمعها لا تتناسب مع سفر يوم أو يومين، بل كان يحمل فيها حتّى الكتب، فقلت له: «يا سيّدي العزيز، كم سيستغرق سفرك؟»، فقال لي: «سوف أبقى هناك إن شاء الله تعالى مدّة أربعين يومًا، إلى أن أرى ما الذي سيحصل بعد ذلك»، ثمّ التفتُّ بعد ذلك إلى أنّ أستاذه قال له في سفره إلى سوريا ـ وهو آخر سفر التقى فيه بالسيّد الحدّاد ـ، وذلك في حرم السيّدة زينب عليها السلام: «يا سيّد محمد حسين، عليك الرحيل إلى مشهد، فلم يعُد لك مكان بطهران».
أي أنّنا التفتنا إلى ذلك بعد مرور فترة من الزمان، حيث كان يقول لنا: «أريد أن أذهب إلى هناك لمدّة أربعين يومًا، ثمّ أرى بعد ذلك ما الذي يقدّره الله تعالى لي»؛ فهذا هو الذي يُقال عنه: عمل برواية الإمام الصادق؛ ففي عين تدبيره لكافّة الأمور، كان لا يُدبّر من نفسه أيّ شيء لما سيقع في المسقبل، ولم يكن يقل: «فلأرسّخ مكانتي للمستقبل»، لا! فإذا كانت العبوديّة تقتضي أن يكون اليوم في هذا المكان، فهو يُرحبّ بذلك، وإن كانت تقتضي أن يذهب في الغد إلى مشهد، فإنّه يُرحّب بذلك أيضًا، وحتّى إذا اقتضت العبوديّة أن يرحل بعد غد إلى مكان آخر، فإنّه يُرحّب بذلك؛ وانتهى الأمر! فهو يُؤدّي تكليفه في كلّ مكان بأحسن وجه، لكن من دون أن يتعلّق قلبه بهذا المكان؛ وهذا هو معنى كلام الإمام.
كيف كان الشيخ محمّد جواد الأنصاري؟ لقد كان أستاذًا للمرحوم الوالد، وكان يذهب إلى كلّ مسجد يراه مهدّمًا في همدان، ويسعى لتنظيم شؤونه بمساعدة أحبّائه؛ فكان يذهب للمساجد التي تعلوها عدّة سنتمرات من التراب، ويعمد إلى تنظيم شؤونها، ويسعى لإصلاح بنائها إذا كانت تستدعي ذلك، ويُقيم فيها صلاة الجماعة؛ وحينما يعثر على أحد يُمكنه القيام بهذه المهمّة، فقد كان يوكلها إليه، ويذهب إلى محلّ آخر؛ ثمّ يبحث عن مسجد آخر في مكان معزول من همدان يكون مهدّمًا، ومتخلّى عنه، ويحتاج إلى إصلاح، فيُقيم صلاة الجماعة فيه، إلى أن يعثر على أحد يراه مؤهّلاً لإدارة هذا المسجد؛ وحينما يجتمع الناس حول هذا الشخص، فإنّه يقول له: أيّها السيّد، إنّ هذا المسجد صار بعهدتك، الوداع!
