
التدبير وأداء التكليف
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «ولايُدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تدبيرًا»، تحدّث بدايةً عن خضوع السالك لمعيار في كلّ شؤون حياته، وعن ضرورة امتثاله لأوامر الأستاذ الكامل لبلوغ مراتب الكمال، ثمّ بيّن أنّ إمام الزمان عليه السلام لا يفرق لديه الحضور والغياب، وأنّ دوره إيصال الإنسان إلى مرتبته هو، ثمّ عرّج على مسألة التدبير ووجود معيار في كافّة المسائل المادّية والمعنويّة، ليستنتج أنّ مقام العبوديّة يقتضي أن يكون المحرّك الأساسيّ للإنسان في أفعاله أداءُ التكليف بأحسن وجهٍ، ومن دون تعلّق قلبه به أو انتظار نتائجه.
التدبير وأداء التكليف
15فهذا هو الذي يُريد الإمام أن يُفهمنا إيّاه؛ أي: على الإنسان أن تكون نيته في مقام العمل والاشتغال التكليف وحسب؛ وهذا ليس بالأمر الهيّن! فالكثير يدّعون، ويطرحون هذا الأمر، ويقولون: «علينا أداء التكليف، ولا شغل لنا بالمسائل الأخرى»؛ لكن، حينما يتغيّر التكليف، سنكتشف بأجمعنا ما هي الأمور التي ستحصل: سنسعى لكي نطرح السماء على الأرض؛ فما الذي حصل إذن؟! وحده أمير المؤمنين الذي جاء، وخطب في الناس لأشهر مديدة، ثمّ أمرهم بالتوجّه إلى الشام؛ لكن، حينما وصل الأمر إلى مسألة التحكيم، وآلت هذه المسألة إلى خسارته عليه السلام عمليًّا، فإنّه رجع بكلّ هدوء إلى مكانه بالكوفة، وعاد مجدّدًا إلى شؤونه السابقة؛ فهو فقط [الذي تحقّق بذلك الأمر]؛ وكذلك الشأن بالنسبة للإمام الحسن عليه السلام، ومع مقام إمامته ...؛ أجل، ينبغي عليّ أيضًا أن أشير إلى أنّني لا أريد القول: يجب علينا أن نصير في مقام التسليم والعبوديّة مثل أمير المؤمنين والإمام الحسن! نرجو من العليّ القدير إن شاء سبحانه، وبلطف الأئمّة وصاحب مقام الولاية وعناية الله تعالى أن نصل إلى هناك، وأن تأخذ عناية الإمام عليه السلام بأيدينا؛ لكن، يُمكننا فعليًّا أن نخطو الآن خطوة واحدة في هذا الطريق، وبوسعنا الحركة، ولو بمقدار معيّن؛ فهل يُمكننا أن نرى درجة تسليم أمير المؤمنين، ولو في الأحلام؟! لكن، علينا أن نتحرّك بمقدار قابليّتنا واستعدادنا وطاقتنا، ولا نبقى جالسين هكذا، بل نُحرّك أنفسنا قليلاً، ونغيّر أوضاعنا، ولو بمقدار؛ وهذا هو معنى مقام العبوديّة.
سأضرب مثالاً من سيرة المرحوم العلاّمة؛ لأنّني أعلم أنّ معظم الرفقاء يُريدونني أن أتحدّث في هذه المسائل عنه، حيث يُشكَل عليّ أحيانًا، ويُقال لي: إنّك تُطيل الكلام في بعض المسائل، في حين أنّنا نريد سماع بعض الحقائق عن والدك وعن العظماء؛ وهنا، أنقل قضيّة من حياة المرحوم العلاّمة، حتّى يتجسّد كلام الإمام الصادق للأحبّة واقعًا.
نموذج من سيرة العلاّمة الطهرانيّ قدّس الله سرّه على مسألة أداء التكليف
حينما أراد المرحوم الوالد التوجّه إلى النجف، وكان يقوم بجمع الأثاث، قال بعض معارفنا: «إنّ السيّد محمد الحسين يجمع أثاثه بطريقة توحي أنّه لا يرغب في الرجوع إلى إيران بتاتًا»، فقال المرحوم الوالد: «وهل من المفروض أنّني سأرجع إلى إيران؟»؛ ولا يخفى أنّ محبّته الكبيرة والعجيبة للنجف الأشرف هي التي دفعته للرغبة في الإقامة بالنجف منذ شبابه؛ وأنا أيضًا أحبّ كثيرًا ذلك، ونرجو من الله تعالى أن يقسم لكافّة الرفقاء زيارة أمير المؤمنين عليه السلام، وأن تُختم هذه الأحداث الواقعة بالخير، فلا نعُد نقتصر على زيارة النجف لمدّة أسبوع أو يوم، لا، بل نذهب إلى هناك، ونظلّ أربعين يومًا بالنجف، وهكذا، أربعين أخرى بكربلاء؛ ومن شاء، يبقى هناك، ولا يرجع أبدًا؛ فأمير المؤمنين لا يكتنفه أيّ بخل، كما أنّه يُرحّب كثيرًا بزوّاره، ويرعاهم؛ هذا كلّه إذا تطابق ذلك مع التكليف والمصلحة! وعلينا هنا أن نضع كلمة «إذا»؛ لأنّنا نتحدّث أحيانًا بمثل هذا الكلام، فينزعج لذلك بعض الرفقاء؛ وأمّا إذا وضعنا كلمة «إذا» في الأخير، فإنّهم سيقولون: «حسنًا، نحمد الله تعالى، فأنت لم تذكر هذا الأمر بنحو مطلق»؛ وعلى أيّ تقدير، فإنّني أرغب من كلّ قلبي أن يقسم الله تعالى لنا ذلك، ويجعل وطننا ومسكننا في نفس تلك الأرض المقدّسة، والمقام الوَلويّ والعلويّ المحروس بالملائكة.. إن شاء الله تعالى؛ وعلى كلّ حال، نرجو أن تؤول كافّة هذه الأوضاع والمسائل الواقعة إلى صالح الإسلام والتشيّع، وصالح أتباع أهل البيت عليهم السلام وأحبّائهم.
