
التدبير وأداء التكليف
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإنهاء البحث عن فقرة «ولايُدَبِّرَ العَبدُ لِنَفسِهِ تدبيرًا»، تحدّث بدايةً عن خضوع السالك لمعيار في كلّ شؤون حياته، وعن ضرورة امتثاله لأوامر الأستاذ الكامل لبلوغ مراتب الكمال، ثمّ بيّن أنّ إمام الزمان عليه السلام لا يفرق لديه الحضور والغياب، وأنّ دوره إيصال الإنسان إلى مرتبته هو، ثمّ عرّج على مسألة التدبير ووجود معيار في كافّة المسائل المادّية والمعنويّة، ليستنتج أنّ مقام العبوديّة يقتضي أن يكون المحرّك الأساسيّ للإنسان في أفعاله أداءُ التكليف بأحسن وجهٍ، ومن دون تعلّق قلبه به أو انتظار نتائجه.
التدبير وأداء التكليف
13لقد جعل الله تعالى لهذا الأمر معيارًا، وعلينا أن نبحث عنه، ونعثر عليه، حيث تتوفّر جميع المسائل على معيار، سواءً كانت هذه المسائل شخصيّة أو اجتماعيّة؛ وهذا هو الأمر الذي يرتكز عليه الإسلام؛ لأنّه لا يرتكز فقط على إدارة المجتمع، ولا على مجرّد الديمقراطيّة التي تجري على الألسن هذه الأيّام، حيث إنّ الديمقراطيّة ـ طبقًا للمرتكزات الإسلاميّة ـ هي إحدى فروع الأحكام الإسلاميّة؛ أجل، الديمقراطيّة الحقيقيّة ـ لا المطروحة الآن ـ والعدالة الاجتماعيّة الحقيقيّة ليستا شيئًا مختلفًا عن الأحكام الإسلاميّة؛ فالعدالة التي لا يقدر فيها أيّ فرد من أفراد المجتمع على الإضرار ببقيّة أفراد نوعه، ولا يلحظ فيها هذا الفرد أيّ مانع يصدّه عن بلوغ الدرجات الكماليّة تصير هي المعيار، لكن بذلك الشرط؛ فهذه هي الديمقراطيّة الإسلاميّة. وقد بحثنا عن هذه المسألة سابقًا بشكل مفصّل جدًّا؛ لكن، يبقى أنّ تحقّقها ينبغي أن يكون تحت مراقبة وإشراف التعاليم الإلهيّة.
اهتمام الإسلام بمسألة التدبير
وعليه، فإنّ تدبير الأمور من أهمّ المسائل التي أكّد عليها الإسلام؛ وهنا، علينا أن نرى كيف ينبغي أن تتحقّق المسألة التي قال عنها الإمام الصادق عليه السلام: «ولا يُدَبِّرُ العبد لنفسه تدبيرًا»، حيث تحدّثنا عنها سابقًا، لكنّنا سنسعى اليوم لإنهاء الكلام عنها.
لا ريب أنّه مثلما أنّ جميع المسائل في نظام عالم التكوين تقوم على أساس التدبير، فإنّها تقوم كذلك في نظام عالم التشريع على أساس التدبير والتنظيم، حيث جاء في الآية الشريفة: {وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}۱؛ فلو أنّ أحدهم أراد أن يُؤلّف كتابًا، ويأتي فيه بالآلاف من التعاليم، والمسائل، والقصص، والحكايات، والمواعظ، والنصائح، والإرشادات، لحصل بالضرورة والقطع تعارضٌ بين هذه المسائل؛ بينما لا نرى في الكتاب الإلهيّ، ولو موردًا واحدًا من موارد التعارض. فإذا كان في عالم التكوين {لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}٢؛ أي إذا كان التعارض بين الأوامر والنواهي الصادرة من الآلهة يُفضي إلى التعارض في عالم المعلولات، وبالتالي فساد العالم، أ فلن تتحقّق المسألة ذاتها في عالم التشريع؟!
- سورة النساء، الآية ۸٢.
- سورة الأنبياء، الآية ٢٢.
