
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
9فما هي علّة ذلك؟ علّته ما ذكرناه آنفًا: أنا أؤمن بالله تعالى، ولا أؤمن برسوله! وقد حدث عدّة مرّات أن جاء عمر عند النبيّ الأكرم، وقال له: «من الذي أمرك بأن تتحدّث بهذا الكلام؟ ومن الذي طلب منك أن تقوم بهذا الفعل؟»؛ والسبب في ذلك أنّه لم يكن يرغب في الإصغاء للرسول في دائرة الأمور التي تتعارض مع طبعه؛ وبالتالي، فقد حبس نفسه في سجن جهله، وأَسرِ عماه، ولم يسمح لنفسه بالكمال، والخروج من دائرة الجهل، بل سعى على الدوام إلى تحقيق أهوائه؛ وبدلاً عن سلوك طريق يعبر به، انتهج طريقًا يحبسه؛ وعوضًا عن اختيار مسار يرفع عنه أستار الجهل، انساق نحو سبيل يضع عليه أستارًا أكثر من الجهل؛ وما هي نتيجة ذلك؟ نتيجته في الأخير أن يبقى الإنسان في ذلك المستوى من الجهل، من دون أن يقدر على القيام بأيّة حركة.
إنّ النظام التكاملي للإنسان هو بهذا النحو شئنا أم أبينا، حيث ستُواجهه حتمًا في طريق كماله مجموعةٌ من الأمور التربويّة التي لا تتلاءم مع آماله الشخصيّة، وتُجابهه في هذا الطريق سلسلة من الأوامر والنواهي التي لا تنسجم مع رغباته النفسانيّة؛ فلا مناص له من إخضاع نفسه للتعاليم الإسلاميّة التربويّة.
يُعدّ المرحوم السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ من أعاظم النجف؛ وهو بعينه ذلك المرجع المشهور والتقيّ الذي كان المرحوم العلاّمة ينقل عنه حكايات حينما كان يُقيم في النجف، حيث امتدّت علاقته به وتردّده عليه لسبعة وعشرين سنة تقريبًا؛ وكان للسيّد جمال الدين أستاذ اسمه الشيخ علي محمّد النجف آبادي؛ وكان رجلاّ منظّمًا وتقيًّا جدًّا، طوى العديد من المراتب، ويمتلك أحوالاً ومميّزات خاصّة؛ وهو الرجل عينه الذي تحدّث عنه المرحوم العلاّمة في مقدّمة كتاب «توحيد علمى وعينى»۱، وقال: كان السيّد جمال يذهب إلى مسجد السهلة، وبعد ذلك، رأى سيّدًا يدخل إلى هناك، فجلس عند مقام إمام الزمان عليه السلام، وشرع [في البكاء]، حيث تحدّث عن أحواله في ذلك الكتاب الذي من المحتّم أنّ الرفقاء طالعوه، وقرؤوا الأحوال التي كان يمتلكها؛ وقد استمرّ في ذلك إلى الصباح؛ وحينما طلعت الشمس، غادر السيّد جمال الدين ذلك المكان، وتوجّه إلى النجف؛ وما إن وصل إلى هناك، حتّى بدأ يحكي لأستاذه الشيخ علي محمّد النجف آباديّ عن أحوال ذلك السيّد الذي كان هو السيّد أحمد الكربلائيّ؛ فأخذ الشيخ علي محمد بيده، وذهب به إلى منزل المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ، ووضع يده في يده، وقال له: «من الآن فصاعدًا، هذا هو أستاذك، ولا داعي لكي ترجع إليّ بعد الآن».
- توحید عملی وعینی، ص ٢۱.
