انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

0
عنوان البصري
عنوان البصري

في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.

الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة

8
  • الأحكام الإسلاميّة مقدّمة لكمال النفس والروح

  • فالأحكام التي وردت في الإسلام ـ بصفتها تشريعًا ـ هي أحكامٌ جُعلت مقدّمة لكمال الروح والنفس في ظلّ العدالة الاجتماعيّة؛ فهذا هو الأساس والمبدأ الذي تتكّيء عليه الأحكام والتشريعات؛ أي أنّ الهدف من التشريع هو إيصال النفس إلى مراتبها الكماليّة، وليس مجرّد العيش [كيفما كان]، ولا تحقيق العدالة الظاهريّة وحسب، ولا توفير طمأنينة ظاهريّة فقط، ولا الحصول على الحقوق الظاهريّة فقط؛ أجل، جميع هذه الأمور صحيحة؛ لكن، ما هو المستوى الأعلى، والهدف النهائيّ؟ وما هي الغاية المنشودة؟

  • فهذه مسألة مهمّة قلّما التفت إليها المهتمّون بالمسائل العائليّة، والذين صنّفوا مقالات وكتب في هذا المجال؛ وهي أنّ الهدف من الأحكام في الشرع الإسلاميّ والشرائع السابقة هو كمال الروح والنفس، وليس مجرّد الخوض في بعض المسائل الاجتماعيّة والظاهريّة؛ فهذه هذه الغاية الأساسيّة هنا. لقد ذُمّ في الآيات الشريفة الذين يسعون للأخذ ببعض الأحكام، وترك بعضها الآخر؛ فيتمسّكون بما يتوافق مع ميولاتهم، ويَدَعون ما يتعارض معها: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَه ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَه ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً}۱؛ أي أنّ الذين يكفرون بالله تعالى ورسله، ولا يأخذون بنظر الاعتبار المسائل الإلهيّة، ويُريدون التفريق بين أمرين: بين الله تعالى ورسله، ويقولون: نحن نعتقد بالله تعالى، ولا نعتقد بأنبيائه، {وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً}؛ ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويُريدون أن يسلكوا طريقًا بين هذين الأمرين؛ فلا يرغبون في الاعتراف بالجميع في نفس الوقت، ولا يُريدون القبول بالأحكام كمجموع واحد؛ وكأنّ الأحكام والشرائع الإلهيّة عبارة عن صندوق برتقال يُمكننا أن نختار منه ما يتلاءم مع رغباتنا، ونترك الباقي؛ فيقبلون ببعضها، ويرفضون بعضها الآخر، ويختارون طريقًا وسطًا.. {وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً}؛ فمن يكون هؤلاء؟ {أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا} انتبهوا! فهؤلاء هم الكافرون {وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا}.

  • عدم جواز التفريق بين الأحكام الإسلاميّة من حيث القبول بها

  • فهذه المسألة كانت موجودة على الدوام؛ فدائمًا ما كان الإنسان يمتنع في مقام الطاعة والامتثال عن القبول بمجموع ما يُؤمر به؛ فيسعى لإعمال اختياره، فيقبل بالبعض، ويرفض البعض الآخر؛ وبما أنّه يديه لا تصل إلى الله تعالى، فإنّه يقول: «أنا أؤمن بالله تعالى الذي خلقنا»؛ لكن، حينما يصل الدور إلى النبيّ، ومقام الطاعة والأمر والنهي، فإنّه يقول: «أنا لا أعترف بهذه الأمور»؛ ها! لماذا إذن تُؤمن بالله تعالى؟ لأنّ يديك لا تصل إلى الله؛ كما أنّ يديه تعالى لا تصل إليك؛ أي أنّه في مقام الغيب، وأنت في مقام الظاهر والشهادة؛ وهو عزّ وجلّ لا يتنزّل إلى تحت لكي يقول لك: «عليك القبول بكلّ ما أمرك به نبيّي»! لا؛ لأنّه في مقام الغيب. فتجد الإنسان يقول: «أنا أؤمن بالله تعالى»؛ فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تُصغ إلى حرف النبيّ؟ إنّ هذا المنطق هو عين منطق سماحة عمر الذي كان أيضًا بهذا النحو، حيث كان يرضخ للأوامر والنواهي الصادرة من رسول الله ما دامت تتطابق مع رغباته؛ لكن، ما إن تتعارض معها، حتّى يرفضها؛ وقد كان يقول مرّات وكرّات: «أنا زميل محمّد»٢؛ أي: أنّني ندٌّ وقرينٌ لهذا الرجل؛ وهذا يعني أنّني في مقام الطاعة لستُ خاضعًا تمامًا من ناحية فكريّة؛ ومن هنا، فإنّني أقبل ببعض الكلام، وأرفض بعضه؛ ولهذا، فقد انتظر إلى أن ارتحل الرسول عن هذا العالم، ومضت خلافة الأوّل، ليعمل على تغيير الأحكام الإلهيّة؛ فحذف «حيّ على خير العمل»، وأبطل نكاح المُتعة، وألغى حجّ التمتّع، وأمر بأداء صلاة التراويح التي كانت تُقام فُرادى جماعةً؛ أي أنّه كان يأخذ بذلك المقدار من الأحكام الذي يتطابق مع أفكاره، وشؤونه، وشاكلته، ويُغيّر الباقي طبقًا لمبتغاه.

    1. سورة النساء، الآية ۱٥۰.
    2. الغدير، ج ٦، ص ٢۱٣.