
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
3إنّ توجّه المجتمع في العالم المعاصر ينحو هذا المنحى، مثلما كان عليه الحال سابقًا، وإلى هذا الحين؛ فمنذ خلق آدم عليه السلام، كانت المسألة دائمًا بهذا الشكل، حيث نجد أنّ الناس ينظرون إلى الظاهر، ويعبدونه، ويجعلونه محطّ أنظارهم؛ فهذه مسألة كانت سائدة ورائجة بين جميع الشعوب والأمم؛ وهي: ما هي الطريقة التي علينا أن نعيش بها حتّى نتمكّن من الحصول على حياة دنيويّة أفضل؟ وكيف علينا أن نعيش حتّى يُمكننا تحقيق رغباتنا النفسانيّة بنحو أحسن؟ يعني: إذا بحثنا عن لبّ وحقيقة المسائل والتحقيقات والجهود التي يبذلها الإنسان المعاصر ـ مهما كان مستواه وفئته ـ فإنّنا سنصل في الأخير إلى مسألة الاهتمام بالمظاهر، وتنمية البدن، وتطوير الجسم، وتحقيق الآمال والرغبات الظاهريّة؛ أي: كما أنّ مسألة التنازع لأجل البقاء هي السائدة بين كافّة الفئات من الحيوانات والموجودات التي تعيش في مستوى أدنى من التعقّل، فإنّ هذه المسألة هي السائدة أيضًا بين أفراد الإنسان. فهل شوهد حتّى الآن أنّ أحدًا أدّى عملاً تكون نتيجتٌه عائدة للآخرين؟ وهل شوهد حتّى الآن أنّ أحدًا قام بنشاط لم يكن في بدايته ناظرًا فيه إلى نفسه ومصلحته، بل كان ناظرًا للآخرين؟ أجل، قد نعثر على ثلّة قليلة تحوم أفعالهم حول أمور تقع وراء الرغبات الظاهريّة والمادّية، حيث يتوفّر هؤلاء ـ إلى حدّ ما ـ على بصيرة خاصّة بشأن هذه المسألة؛ لكن، يبقى أنّ الأمر في معظم المجتمعات، وفي مختلف الميادين، وفي كافّة الفئات والمجالات الإنسانيّة المتعدّدة هو بهذا النحو؛ أي أنّ الحكم هو للظاهر والمظاهر؛ فالهدف من انتهاج التعقّل هو التوفّر على دنيا أفضل، ومن العيش في هذه الحياة هو تحقيق منافع أكثر، بحيث إذا سنحت لنا الفرصة، وأجاز لنا القانون، فإنّنا لن نحترز حتّى عن انتهاك حقوق الآخرين؛ فوحده القانون هو الذي يصدّ الإنسان، ويُجبره على عدم تعدّي حدوده.
وأمّا إن عثرنا على مجتمع يُراعي أفرادُه حرمة بعضهم، ويُدرك كلّ واحد منهم مكانته الخاصّة، اعتمادًا على مسألة التعقّل، وانطلاقًا من اعتقاد شخصيّ، ومن دون اللجوء إلى القانون، فإنّه بوسعنا القول حينئذ: إنّه بإمكاننا امتلاك نظرة إيجابيّة ومتفائلة بخصوص هذا المجتمع؛ لكنّ الأمر وللأسف ليس بهذا النحو؛ لماذا؟ لأنّ الإنسان لم يتمكّن من التعرّف على حقيقته، وإدراك مكانته المتميّزة؛ فظنّ أنّه يُشبه بقيّة الحيوانات في التوفّر على حياة محدودة، والتقيّد بالزمان والمكان، غاية الأمر أنّه بوسعه عيش حياة أفضل، وتحقيق منافع أكثر، اعتمادًا على فكره وقوّته العقليّة؛ هذا، وحسب!
