
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
2أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين
{قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ...}۱؛ كان حديثنا عن نحوِ العلاقة القائمة بين أفراد العائلة، ولا سيّما العلاقة بين المرأة وزوجها، وكيفيّة التعامل بينهما، حيث وصلنا في البحث عن مقدّمات هذه المسألة إلى أنّ أحكام الإسلام مرتبطة ومشتبكة ببعضها، وأنّ المراد من تشريع هذه الأحكام وبيانها الوصولُ إلى كمال الروح، وفعليّة الاستعدادت التي كوّنها الله تعالى وجعلها في وجود الإنسان لهدف معيّن وغاية خاصّة، بحيث إذا تقرّر ألاّ يبلغ الإنسان تلك المرتبة من الكمال، وذلك الهدف الغائيّ، واقتصر مرادُه على قضاء هذه الحياة في ضمن دائرة ضيّقة وحدود خاصّة، فإنّ التوفّر على هذه الاستعدادت والقابليّات والثروات سيكون لغوًا وعبثًا.
اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة
فإن كان الهدف هو مجرّد تمضية الحياة، والقيام ببعض الأعمال، ومجرّد التكاثر، وقضاء العمر بشكل عاديّ، كما نراه بأمّ أعيينا في المجتمعات الإنسانيّة، فأيّ معنى سيكون لإبداع هذه الاستعدادات؟! ففي هذا العصر، نُلاحظ أنّ المسألة تتمّ بهذا النحو؛ فنجدهم يشتغلون بشكل جيّد، ويُلبّون شهواتهم بطريقة جيّدة، ويُحسنون الاستفادة من لذّات الحياة، ويقضون أعمارهم في ضمن نطاق ضيّق، ثمّ يموتون؛ فهذه هي غاية أفعالهم، وهذا ما نراه عنهم. إنّ كافّة التحقيقات والاكتشافات والجهود التي تُبذل في المجتمعات المعاصرة تنصبّ على صحّة بدن الإنسان وجسده وظاهره؛ كما أنّ كافّة المختبرات والمؤسّسات العلميّة والجامعيّة، والفضاءات العلميّة والثقافيّة تهدف إلى المحافظة على سلامة البدن الإنسانيّ، وتحقيق استفادة أفضل من الخصائص والمنافع المترتّبة على الجسد؛ وحتّى إذا شاهدنا في موضع ما أنّ هناك أرضيّة متاحة لإصلاح المسائل الأخلاقيّة والنفسيّة، فإنّ هذه الأرضيّة وهذه الفضاءات الصحّية والثقافيّة يكون الهدف منها ضمان مستوى معيّن من الأخلاق، وتحقيق الأمن للنفوس، لكي يتمكّن البدن في ظلّ هدوء هذه النفوس وطمأنينتها من الوصول إلى لذّته بنحو أفضل؛ أي: إذا طُرحت العدالة الاجتماعيّة في مجتمع ما، فإنّ الغاية منها لا تكون هي رقيّ الروح، بل تكون غايتها عدم تعدّي أحد على الآخر؛ وذلك لكي يتمكّن كلّ واحد من أفراد العائلة والمجتمع والحضارة الواحدة من تحقيق رغباتهم الجسديّة والدنيويّة بكلّ راحة واطمئنان؛ وأمّا بالنسبة للكمالات والارتقاءات الروحيّة، فلا حديث عنها هنا، إلاّ ما شذّ وندر من بعض الأفراد الذين تظهر وتتبلور فيهم بعض الدوافع الخاصّة، حيث نجد قلّة من هؤلاء ـ حتّى في هذه المجتمعات ـ يهتمّون بالمسائل التي تقع ما وراء الأمور الظاهريّة والدنيويّة والجسميّة.
- سورة سبأ، الآية ٤٦.
