
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
16الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما
ومن هنا، نُدرك أنّ المسائل المطروحة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل لا يوجد فيها ظلم أو إكراه، وأنّ الأمر ليس كما يُقال من أنّ الله تعالى انحاز هنا إلى جانب الرجال؛ لا، ليس الأمر بهذا النحو؛ فهذا طريق ومسار جعله الله لمصلحة الإنسان وسعادته؛ لكنّنا نأتي، ونبدأ باللفّ والدوران، ونقول: هذا المقدار صحيح، وذلك المقدار غير صحيح؛ وهذا المقدر نقبل به، وذلك المقدار لا نعترف به؛ وهذا المقدار يُمكننا القيام به، وذلك المقدار لا نسطيع أداءه؛ وهذا المقدار أمر به الله تعالى، وذلك المقدار اخترعتموه أنتم؛ ألا يقولون ذلك؟! ألا يقولون: أنتم الذين اخترعتم ذلك! فمتى أمر الله تعالى بهذه الأمور؟! وفي أيّ موضع من القرآن الكريم يوجد مثل هذا الكلام؟! فهذا المقدار نقبل به، وذلك المقدار من اختراعات ألف وأربعمائة سنة من قبل، وهذا كلام يرجع إلى ما قبل ألف وأربعمائة سنة، وهذه الثقافة تعود إلى ... أ فلا يقولون الآن: «إنّ الفقه الذي ورثناه من السلف خاضعٌ لتأثير الثقافة الجاهليّة»؟! أ فلم تسمعوهم يقولون ذلك؟! فما معنى هذا الأمر؟ معناه عين: {نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ}؛ فهذا هو نفس معنى: نقبل ببعض، وندع البعض الآخر؛ فيا أيّها المؤلّف الجاهل الذي يتفوّه بهكذا كلام، هل انتبهت إلى أنّ لازم كلامك أن يكون الإمام الصادق والعياذ بالله تعالى واقعًا تحت تأثير الثقافة الجاهليّة؟! فهل إنّ كلام رسول الله الذي قال فيه: «لَوْ كُنْتَ آمِرًا بَشَرًا يَسْجُدُ لِبشَرٍ، لأمَرْتُ الْمَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا»۱ خاضع أيضًا لتأثير الثقافة الجاهليّة؟! وهل إنّ كلام الإمام عليه السلام الذي ذكره لأجل سعادة عائلة المرأة والرجل متأثّر بدوره بالثقافة الجاهليّة؟! فهل هذا هو الميزان والمعيار الذي تخضع له القيم عندكم؟ وهل هذه هي حصيلة كلّ هذا العلم والتعب والدراسة والتدريس؟! أن يصل الإنسان إلى درجة يقول فيها: إنّ الأحكام الإلهيّة خاضعة لتأثير الثقافة الجاهليّة! على كلّ حال:
رگ رگ است اين آب شيرين وآب شور *** درخلائق مىرود تا نفخ صور٢ - رسالة بديعة، ص ٣٣. المعرّب
- مثنوي معنوي، الکتاب الأوّل، الفصل ٣٦.
