
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
15وعي الإنسان بدور الأحكام الإلهيّة في تربيته يُساهم في تكوين نظرة إيجابيّة تجاهها
لكنّني كنت دائمًا أُفكّر في حقيقة هذا الأمر؛ فما هي المصلحة في ما قاله لي؟ وما هي الجذور التي ينبع منها كلامه، بحيث قصّرت في هذه المسألة، إلى أن ضاعت منّي الفرصة. ومرّت ستّة أشهر على هذه الحادثة؛ وفي أحد الأيّام، كنت جالسًا في الحجرة أنتظر مجيء الرفقاء والأحبّة، لكي نبدأ درس الفلسفة على ما يبدو؛ فكنت قاعدًا في زاوية من الغرفة أسرح في أفكاري، ولم أكن أفكّر في تلك المسألة أبدًا؛ وفجأة، انقدحت في ذهني، وتبيّن لي سرّها وحكمتها، حيث انتبهت إلى أنّني كنت أعاني في نفسي من مشكلة لا تنحلّ إلاّ عن طريق قيامي بذلك الفعل؛ فانظروا، أين هو مصبّ المسألة! فلأنّني لم أقم بذلك الفعل، فإنّني لا زلت أعاني من تلك المشكلة في نفسي، بحيث يكون ارتفاعها متوقّفًا على طروّ بعض الحوادث؛ نظير الحادثة التي حصلت، وأكون ملزمًا بالقيام بذلك الفعل، لكي ينحلّ الإشكال؛ وهنا، يأتي السؤال: لو جاء أحد، وجلس يُفكّر من الآن إلى يوم القيامة، هل كان سيبلغ تفكيره هذا المدى؟ لا يُمكن أبدًا! فمن الذي يتسنّى له إدراك هذا الأمر؟ الذي له بصيرة واطّلاع وإشراف، ويفهم أين هو موضع الإشكال؛ فإن سلّمتَ له، فإنّه سيحلّه لك؛ وإن لم تُسلّم، فإنّ المشكلة ستظلّ قائمة، لترحل عن هذا العالم مصحوبًا بها؛ وهذا هو مرادهم من القول: على الإنسان أن يخضع لتربية الخبير؛ فأداء الصلاة والصيام والإنفاق ليست بالأمور التي تحظى بأهمّية كبيرة، بل المهمّ هو أن يُخضع الإنسان نفسَه للأحكام والأوامر والنواهي الإلهيّة؛ وبهذا النحو، فإنّ الأحكام الشرعيّة ستتّخذ لدينا بالتدريج شكلاً آخر، وستُصبح الطاعة بالنسبة إلينا أمرًا سهلاً؛ لماذا؟ لأنّنا صرنا نعلم أنّ الله تعالى يُريدها منّا لأجل مصلحتنا؛ فحينما يقول لي ذلك الوالد: «يا فلان، قم بذلك العمل»، فإنّه لا يهدف من ذلك إلى الإضرار بي، أو إجباري، بل يُريد أن يقول لي بلسان الحال: يا فلان، إنّك تُعاني من مشكلة في نفسك، وأنت غير مطّلع على هذه المشكلة، ولا يُمكنك التعرّف عليها بنفسك، فتعال، وأطعني، حتّى تنحلّ، وإلاّ ستبقى كما هي.. كما هي!
