
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
14لا أعلم هل حدّثت الرفقاء بالمسألة التالية، أم لا؛ فإن لم أكن قد حدّثتكم عنها، فلا شيء؛ وإن أخبرتكم بها، فلا بأس بالتذكير بها مرّة أخرى؛ هذا، مع أنّ هدفي من عرض هذه المسألة هو لكي تعلموا كم هو صعب ومستعصٍ طريق النفس، بحيث إذا أراد الإنسان فتح هذه العقد والنوافذ، فإنّه لن يتوفّر على أيّ سبيل غير إخضاع نفسه للأحكام الإلهيّة، وحسب؛ فلا يُمكنه بنفسه القيام بذلك؛ لأنّ هذا الطريق قد سُلك وجُرّب سابقًا، وكلّ من سلكه أفصح عن هذا الأمر.
حينما كنت أقطن بمشهد، كان هناك أحد الأصدقاء من الذين لهم علاقة بالمرحوم العلاّمة، لكنّها لم تكن علاقة سلوكيّة، بل كان يتردّد عليه فقط؛ وقد كان من الأطبّاء المشهورين في مجال الدماغ والأعصاب، ولا تزال تربطني به إلى الآن علاقة صداقة؛ وهو من الرجال الملتزمين جدًّا، ومن ذوي التخصّص، ومن أطبّاء جراحة الدماغ والأعصاب المتفوّقين بإيران؛ وقد كنت أبادله علاقة مودّة وأنس كبيرة؛ وكان المرحوم العلاّمة قد أمرني بأن أحضر إليه أحد العظماء وعلماء إحدى المدن، لأجل ألم كان يشعر به في ظهره وفقراته؛ فاصطحبته إلى عيادته عدّة مرّات، فكان بدوره يُبدي كامل محبّته وعنايته، ويستقبله بكلّ ترحاب؛ وبعد أن مضت هذه الحادثة، جاء أحد الأيّام، فقال لي المرحوم العلاّمة: «يا فلان، إنّ السيّدة الفلانيّة من أقاربنا وأرحامنا؛ فاتّصل هاتفيًّا بالطبيب، وخذ منه موعدًا، واصطحبها لعيادته لأجل ألم تعاني منه»؛ والظاهر أنّها كانت تُعاني من صداع في الرأس؛ فقلت آنذاك في نفسي: أيّة ضرورة هنا لكي أصطحبها أنا؟! فهي لديها زوج، وعليه أن يصطحبها هو؛ فلأذهب عند زوجها، وأُخبره بأن يصطحب زوجته إلى الطبيب الموجود في المكان الكذائيّ؛ ولأسعَ من جهتي للاتّصال بالطبيب، حتّى يهتمّ بها أكثر، ولكي لا تُشاب المسألة من باب المثال بنوع من الإهمال؛ فأنا لديّ دروس وأعمال وأشغال، بينما زوجها لا عمل له، فليصطحبها هو بنفسه! فكانت هذه مجموعة من الخواطر والتخيّلات التي مرّت على ذهني؛ لكن، بعد ذلك، تأمّلت في المسألة مجدّدًا، فرأيت أنّ هذا لا يصحّ؛ إذ حينما أمرني [المرحوم العلاّمة] باصطحابها، فإنّه عليّ القيام بذلك؛ لأنّه لا علم لي بالمسائل التي كان يهدف إليها ويقصدها من وراء ذلك؛ فاتّصلت هاتفيًّا بالعيادة، فقيل لي: إنّ الطبيب مسافر؛ فقلت: عليّ أن أصبر حتّى يعود؛ لكنّني تهاونت في إعادة الاتّصال، ولم أبد الاهتمام اللازم الذي يفرض عليّ الاتّصال بعد يومين أو ثلاثة أيّام. وبعد مرور أسبوع على هذه الحادثة، اتّصلت بالعيادة، وتحدّثت شخصيًّا مع الطبيب، وقلت له: هل يوجد لديك مجال في هذه الليلة لاستقبال سيّدة من أجل معالجتها؛ فقال لي: حسن جدًّا! أحضرها في أيّ وقت تُريده. وحينما التقيت بزوجها في الطريق، أخبرته بأنّني اتّصلت بفلان، واتّفقت معه على زيارته هذه الليلة في الساعة الكذائيّة؛ فقال لي: «بالمناسبة، لقد هاتفته البارحة، وذهبنا عنده، فتبيّن أنّه لا مشكلة في البين؛ وقد أعطانا وصفة طبّية، وقال لنا: لا يوجد شيء ذو بال، وهي تُعاني من مشاكل بسيطة في الأعصاب؛ ولهذا، لا يبدو أنّنا سنضطرّ للرجوع عنده مرّة أخرى؛ فلا تُتعب نفسك؛ فقد انحلّت المسألة». فشعرت بالراحة من جهتي؛ إذ رُفع التكليف عن عاتقي؛ فعُدت من هناك إلى المنزل، وذهبت لرؤية المرحوم العلاّمة؛ وبمجرّد أن وقعت عيناه عليّ، حتّى قال لي: «هل اصطحبت فلانة إلى الطبيب؟»؛ وا ويلتاه! ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ لقد تورّطت! فأيّ جواب يُمكنني تقديمه له الآن؟ فقلت له: «لقد هاتفت الطبيب، لكنّه كان مسافرًا؛ وبعد مرور أسبوع، اتّصلت به مرّة أخرى، فأعطاني موعدًا للزيارة هذه الليلة؛ غاية الأمر أنّني التقيت بزوجها في الطريق، فقال لي: لقد اصطحبتها البارحة، فلا داعي لأن تُتعب نفسك؛ وانتهت المسألة»؛ فما إن قلت له هذا الكلام، حتّى نظر إليّ، وقال: «إذن، أنت لم تحرص على اصطحابها إلى أن فات الوقت؟!»؛ وقد قال لي ذلك بحالة من الأسف والتوبيخ؛ فتأثّر بعضُ الأشخاص المتواجدين هناك لأسلوب تعامله معي؛ فما هو الداعي لهذا التصرّف؟ فتلك المرأة لها زوج، وكان عليه هو أن يصطحبها عند الطبيب؛ أ فهل وجودي هنا هو لأجل اصطحاب زوجة فلان وعلاّن عند الطبيب؟! ففي نهاية المطاف، أنا لديّ أشغال ودروس، حيث كنت أحضر في تلك الأيّام درسين بمشهد؛ فكان لسان حالهم يقول: ما هذه المعاملة التي يُعامل بها هذ الأب ابنه؟ فهو لم يُقصّر كثيرًا في هذا الأمر؛ لأنّه هاتف الطبيب و... ؛ فشعرت بأنّ الأجواء قد تعكّرت قليلاً؛ ولهذا، ذهبت للخارح، وقلت لهم: «لا تنزعجوا بسبب ما حصل؛ لأنّ الأمر مغاير لما تعتقدونه؛ فأنا التفتُّ إلى ما يقصده، وعرفت أنّني مقصّر، فلم يكن عليّ القيام بذلك الفعل»؛ فانتهت المسألة بهذا النحو.
