
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
في خضمّ بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه في هذه المحاضرة الشريفة بدايةً عن اقتصار الأهداف الإنسانيّة في العالم المعاصر على الأمور الظاهريّة والدنيويّة، وعدم إدراك الإنسان المعاصر لحقيقته الوجوديّة، ليُبيّن بعد ذلك أنّ الأحكام الإلهيّة مقدّمة لكمال النفس، وأنّه لا يجوز التفريق بين هذه الأحكام، والقبول ببعضها ورفض البعض الآخر، مبيّنًا في ضمن ذلك أنّ التسليم لهذه الأحكام هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها؛ ليختم بحثه في الأخير بالإشارة إلى أنّ الأحكام الإلهيّة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل ترنو إلى سعادتهما.
الهدف الأسمى للأحكام الإلهيّة
13لا أعلم هل ذكرت هذه القضيّة للرفقاء والأحبّة سابقًا أم لا؛ فأحد أقاربنا الذين ارتحلوا عن هذا العالم كانت له علاقة في زمان حكم الشاه السابق بجهاز الدولة؛ وفي أحد الأيّام، سافر إلى العراق، فقبضت عليه السلطات العراقيّة بسبب شكّهم فيه، وأودعته السجن؛ ثمّ مرّت فترة زمنيّة على هذه الحادثة، فانتابت زوجته حالة من القلق والاضطراب، فاضطرّت لإخبار سفارة إيران ببغداد؛ لكنّهم قالوا لها: «من الأفضل ألاّ تتحدّثي عن هذا الموضوع الآن، ودعي المسألة تمرّ بهذه الطريقة، وتستمرّ بهذه الوضعيّة، وسنرى لاحقًا كيف يُمكننا تهيئة الظروف لتخليصه من السجن؛ فهو لن يظلّ هناك»؛ وبعد مدّة من الزمن، أتت [تلك الزوجة] إلى كربلاء، وباعتبار ارتباطها بالمرحوم السيّد الحدّاد، فإنّها جاءت لتتوسّل به؛ وحينما شرحت له القضيّة، انتابه ضحك شديد، ثمّ قال لها: «لا تقلقي! فهذا جيّد بالنسبة إليه، وسيرجع إن شاء الله تعالى بعد مرور فترة من الزمان».
وبعد انقضاء مدّة من الزمان، خرج من السجن، حيث التفتوا إلى أنّهم أخطؤوا في حقّه، فتخلّص من الحبس، وعاد إلى إيران؛ فكانت من جملة البركات التي حصل عليها بسبب هذه المسألة أنّه قبل دخوله للسجن كان حليق اللحية، وبعد أن رجع، رأينا أنّ لحيته صارت تفوق لحيتي بأربعة أضعاف. وقد ذهبتُ برفقة المرحوم العلاّمة رحمة الله تعالى عليه لزيارته؛ وحينما كان يُحدّثنا عمّا وقع له، كان من ضمن ما قاله: «عندما أردت الخروج من السجن، قبّلت لباس السجن، ثمّ خرجت»؛ فإلى هذا الحدّ كان ملتفتًا إلى الفائدة التي حصل عليها من هذه المسألة؛ أجل، يبقى أنّه تعرّض في ضمن ذلك لمجموعة من المشاكل التي حدّثنا عنها. وحينما خرجنا من عنده، التفت إليّ المرحوم العلاّمة، وقال لي: «يا سيّد محمّد محسن، هل رأيت كم صار نورانيًّا؟ هل رأيت كم أصبح نورانيًّا؟».
التسليم للأوامر الإلهيّة هو الذي يكسر النفس ويُحرّرها
فالسبب في كلّ ذلك أنّنا لا نعلم هل إنّ المسار الذي تتحرّك فيه النفس يتّجه نحو كمالها أم لا؛ فأداء الصلاة والصيام لا يُعدّ [لوحده] أمرًا مهمًّا؛ لأنّ الجميع يُصلّون، ولا يحتاج ذلك إلى جهد كبير، حيث تجدهم يقولون: «عوضًا أن نلعب الرياضة، فننحني إلى الأسفل واليمين، تعالوا بنا نُصلّي!»؛ فهذا ليس بالأمر المهمّ؛ كما أنّ الصوم صار بديلاً عن اتّباع الحمية الغذائيّة؛ فتراهم يقولون: «تعالوا بنا نصوم»؛ وهذا ليس بشيء ذي بال، بل سيُساهم أيضًا في تنحيفنا؛ وهذا أفضل؛ كما سيُساعدنا في المحافظة على صحّتنا وسلامة أعضائنا وجوارحنا وأمثال ذلك؛ فهذا الذي يُقال هذه الأيّام، حيث يقولون: «تعالوا بنا نصوم، ثمّ نمتنّ أيضًا بذلك على الله تعالى»؛ فهذه الأمور لا تحظى بأهمّية كبيرة؛ لأنّ المهمّ هنا هو التسليم للأوامر الإلهيّة؛ فهذا هو الذي يأتي، ويكسر النفس، ويُحطّمها، ويُخلّصها من تلك التوقّعات، ويفتح فيها النوافذ لإدراك النور، ويُقوّيها فيها؛ فبدلاً عن غلق هذه النوافذ، فإنّها تنفتح الواحدة تلو الآخرى، ليتمكّن الإنسان من إدراك المسائل التي لا يستطيع إدراكها بالاعتماد على المنهج الظاهريّ.
