
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
كيف يجب أن يكون العمل الذي يشتغل به الإنسان؟ وكيف يجب أن تكون حاله بالنسبة إلى تحقيقه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذين السؤالين الأساسيّين، حيث يجب أن يقوم الإنسان بعمله على أفضل نحو ـ كمبدأ عام في النظريّة الإسلاميّة ـ بما لا يؤذي نفسه ولا يؤثّر على سائر جوانب حياته، كما يجب أن يرى نفسه واسطة للمشيئة الإلهيّة ويكون مسلّمًا لها، فقد يتحقّق العمل وقد لا يتحقّق، ومع ذلك عليه أن يقوم بما عليه حتّى اللحظة الأخيرة. وقد استشهدت لذلك بالعديد من المواقف والشواهد من سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام كمعركة صفّين ومواقف أولياء الله كالعلاّمة الطهراني في حرصه على تأليفاته حتّى النفس الأخير رغم علمه بعدم إكماله لها.
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
9ذلك البعد التربويّ والبعد التكامليّ الذي على رسول الله أن يطويه، قد طواه في الارتباط مع الناس. ولو لم يأت رسول الله إلى الناس ويختلط بهم ويرشدهم ولم يكن معهم، لَمَا كان رسول الله. فرسول الله الذي هو صاحب الشفاعة الكبرى هو رسول الله الذي جاء إلى الناس وكان له ارتباط بهم، وفق التكليف والأمر الإلهيّ، ذلك التكليف انتشر بين جميع الأفراد الذين يجلسون الآن في هذا المجلس. ذلك التكليف هو موجّه إليّ، وموجّه إليك، ذلك التكليف هو لكلّ واحد واحد من الناس حسب موقعهم ووضعيّتهم الخاصّة.
والآن نحن والطريق الذي أمامنا فكم عملنا به؟ كم عملنا بهذا التكليف؟
فإذن الكتابة وأمثالها ليست أمرًا منفصلاً عن التكليف الإلهيّ، إنّها عين الأنس بالله، ولو لم يفعل هو ذلك ولم يتحمّل كلّ تلك المشقّات لما كان ذلك العارف الذي يمكنه أن يكون أسوة لنا. لما أمكنه أن يكون كذلك. وتلك الموهبة الإلهيّة حدثت له بسبب هذا الأمر. غاية الأمر قلت لكم إنّ كلّ إنسان يقوم بذلك بحسب موقعه وفي طريقه.
رعاية جانب المشيئة الإلهيّة والتسليم له أثناء القيام بالتكليف
تمامًا كما أنّه من الناحية الأخرى ـ والكلام هنا كثير وقد رأيت أنّ أنهي هذا البحث اليوم وأتعرّض إلى سائر الوظائف، الوظائف الشخصيّة وظائف السالك في المنزل وفي سائر الوظائف ـ فالناحية الأخرى التي على الإنسان أن يلتفت إليها هي أنّ على الإنسان أن يرى نفسه وسيلة.
على الإنسان أن يعلم أنّه ليس هو الهدف، على الإنسان أن يعلم أنّه لا موضوعيّة له، على الإنسان أن يعلم أنّه لا استقلال له، إنّه عبد جعله الله في هذا المجال وعيّن له تكليفًا وانتهى الأمر. عليه أن يسعى إلى ذلك وفي الوقت نفسه فإنّ التحقيق وعدم التحقيق والتوفيق وعدمه لا بدّ أن يعدّا من الله. هذا الإنسان الذي كان له كلّ هذا الاهتمام وهذه العناية والرعاية، هو نفسه المرحوم العلاّمة قال لي: أنا سأسير في هذه الكتب إلى حدّ ما، ثمّ لن أوفّق بعده، لن أوفّق! كم كنّا نصرّ عليه أن يعطي أولويّة لكتاب التوحيد وكتاب معرفة الله على سائر مؤلّفاته، وهو أيضًا كان يعد وكان يعد، حسنًا سأفعل، إلى أن شرع بهذا الكتاب، وهو بنفسه كان قد قال: أنا أكتب هذا المجلّد الثالث ولن أوفّق للرابع! فرغم أنّه يعلم، عليه أن يعمل بهذا التكليف ملتفتًا إلى جانب التقدير الإلهيّ وجانب المشيئة الإلهيّة بأنّ هذا العمل سيبقى ناقصًا في وسطه. حسنًا سيبقى ناقصًا فليبق. فهل نظام الدنيا باختياري حتّى أوصل الأمر إلى نتيجته؟ فقد جعل الله تكليفًا وطريقًا ووظيفة وأنا عليّ أن أعمل بهذه الوظيفة، أمّا أنّها ستصل إلى نتيجة أو لن تصل فهذا بعهدته هو لا بعهدتي.
