
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
كيف يجب أن يكون العمل الذي يشتغل به الإنسان؟ وكيف يجب أن تكون حاله بالنسبة إلى تحقيقه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذين السؤالين الأساسيّين، حيث يجب أن يقوم الإنسان بعمله على أفضل نحو ـ كمبدأ عام في النظريّة الإسلاميّة ـ بما لا يؤذي نفسه ولا يؤثّر على سائر جوانب حياته، كما يجب أن يرى نفسه واسطة للمشيئة الإلهيّة ويكون مسلّمًا لها، فقد يتحقّق العمل وقد لا يتحقّق، ومع ذلك عليه أن يقوم بما عليه حتّى اللحظة الأخيرة. وقد استشهدت لذلك بالعديد من المواقف والشواهد من سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام كمعركة صفّين ومواقف أولياء الله كالعلاّمة الطهراني في حرصه على تأليفاته حتّى النفس الأخير رغم علمه بعدم إكماله لها.
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
8والآن كم تقدّمنا نحن في ذلك؟ فمن تحمّل آلاف الأنواع من الأمراض والمشكلات: مرض الديسك، مرض الكبد والصفراء، ضغط الدم والتضييقات وغيرها... والآن ابتلي بمشكلة العين هذه يقول: لا أتنازل عن كلمة واحدة ممّا قلته ولو قطّعوا كامل بدني إربًا إربًا. فهذا تعهّد خَلقيّ، هذا التزام، التزام في مرتبة الخَلق.
كنّا في طهران، وكان الناس يأتون لعيادته، وكان منهم رجل لا يزال الآن على قيد الحياة ولديه درس أخلاق في مختلف المناطق، وكان من أصدقائه السابقين، فقد جاء هو أيضًا لزيارته، وأثناء الحديث التفت إلى المرحوم العلاّمة وقال: يا سيد محمّد حسين لقد كتبت هذا المقدار فالله يقول: دع الكتابة جانبًا واسترح قليلاً ولنجلس ونتحدّث معًا، لقد كنت مشغولاً على الدوام بالكتابة فتعال لنجلس الآن في خلوة معًا، ونقلع عن هذه الكتابة. وقد جاء هذا على شكل مرض، وهو فرصة مناسبة.
فلم يجبه المرحوم العلاّمة، فكان مطأطئًا رأسه وذلك الرجل يتكلّم هكذا بكثرة! فلمّا ذهب قال المرحوم العلاّمة: سيّد محمّد محسن تعالى إلى هنا، هل سمعت كلامه؟ ما رأيك به؟ قلت: لا شيء قليل من الكلام طرح هكذا. قال: ما الدليل؟ قلت: الدليل هو أنّه إن كان ما قلتموه ... ـ أنا مراعاة للمرحوم العلاّمة واحترامًا له لم أجبه، فقد كان هو موجودًا في النهاية ـ قلت جواب هذا الرجل الذي يرى نفسه صاحب أخلاق، هذا الرجل الذي يرى نفسه موحّدًا، يجب أن يقال له: أنت صاحب نظرة ثنويّة وليس لديك رؤية توحيديّة، لأنّه إن كان ما تكتبونه بسبب أمر الله فهو عين المرافقة وعين القرب من الله وعين الأنس مع ذاته، والجلوس إلى جانبه، وحظّ من تلك النعمات والبركات. وإن كان ما تكتبونه على أساس هوى النفس فهذا أمر آخر.
هذا الرجل يظنّ أنّ الإنسان يكون في أنس مع الله فقط عندما يترك العمل، وهذا خطأ، في حين أنّه لو كان الله يرى الأنس لعبده في العزلة فلماذا أمر رسوله بالخروج من غار حراء، لقد بقيتَ في غار حراء لأربعين سنة، ابتعدتَ عن أهل مكّة أربعين سنة، فاخرج الآن ووزّع ما حصّلته إلى الآن بين الناس، ما حصّلته في خلوتك معي في مكان لا يصل إليه الطير ولا وجود فيه حتّى لحيوان، فاذهب الآن اطرح هذا الأمر على أبي سفيان وأبي جهل، مع الوليد وعتبة وشيبة وأمثالهم، اذهب وأخبرهم بهذه الأمور، لماذا؟ لأنّ هؤلاء عبادي. فتعال واطرح عليهم الأمر. فهل انفصل رسول الله عن الله عندما دخل المجتمع؟ هل انفصل رسول الله عن الله عندما كان بين الناس واشتغل بالتبليغ ونشر الرسالة هل انفصل عن الأنس بالله؟ كلاَّ!
