
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
كيف يجب أن يكون العمل الذي يشتغل به الإنسان؟ وكيف يجب أن تكون حاله بالنسبة إلى تحقيقه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذين السؤالين الأساسيّين، حيث يجب أن يقوم الإنسان بعمله على أفضل نحو ـ كمبدأ عام في النظريّة الإسلاميّة ـ بما لا يؤذي نفسه ولا يؤثّر على سائر جوانب حياته، كما يجب أن يرى نفسه واسطة للمشيئة الإلهيّة ويكون مسلّمًا لها، فقد يتحقّق العمل وقد لا يتحقّق، ومع ذلك عليه أن يقوم بما عليه حتّى اللحظة الأخيرة. وقد استشهدت لذلك بالعديد من المواقف والشواهد من سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام كمعركة صفّين ومواقف أولياء الله كالعلاّمة الطهراني في حرصه على تأليفاته حتّى النفس الأخير رغم علمه بعدم إكماله لها.
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
3كما تقدّم في الجلسات السابقة أنّ نظام الخلقة قد بني على أساس أتقن وأحكم وأدقّ القواعد الرياضيّة، فلذلك وبمقتضى تحقيق التطابق بين عالم التربية وعالم التكوين والخلقة، لا بدّ من العمل وفق الأفضل، هذا ما يريده الله منّا. هذا ما يرضاه الله. فلا يتصوّر أنّ على الإنسان أن يهتمّ الاهتمام الكافي والسعي البليغ بالأمور العباديّة وحدها، كلاّ! ففي عالم التربية لا فرق بين الأمور العباديّة وغيرها.
مبدأ الوصول إلى الأفضل في كلّ المجالات
وهناك في النظريّة الإسلاميّة أمر وهو الوصول إلى الأفضل والأعلى، وهذا أصل أساسيّ في النظام التربويّ الإسلاميّ. هو أصل أساسيّ في النظام العلميّ والتقني والتكنولوجي الإسلاميّ، وأصل أساسيّ في النظام الدفاعيّ الإسلاميّ. فالإسلام يقول: على المسلمين أن يبلغوا المستوى الأعلى من الناحية العلميّة. ورسول الله بعد أن رفع وجوب صلاة الليل ونسخ كان يمشي في الأزقّة والشوارع بعد نصف الليل وينظر هل لا يزال الناس يصلّون صلاة الليل بعد رفع وجوبها، فإلى هذا الحدّ كان يهتمّ بعمل الليل وعبادة الليل، وهو نفسه كان يهتمّ بأعمال النهار وأمور التجارة والأعمال المختلفة وقوّة الإسلام وقدرة جيشه بنفس المستوى الذي كان يهتمّ فيه بالنسبة إلى الأمور العباديّة، بلا أيّ اختلاف. لماذا؟ لأنّ جميع ذلك ينشأ من منبع واحد، ومن نفس واحدة، وهو عبارة عن الأفضل. فالمهندس في عمله عليه أن يسعى إلى الأفضل. والطبيب في عمله عليه أن يعمل بالأفضل، والمحقّق في تأليفه عليه أن يقدّم الكلام بشكل أكثر إحكامًا وإتقانًا وأقرب إلى القواعد والعقائد والواقع. فهذا النظام هو النظام التربويّ الإسلاميّ.
المنطقيّة والعقلانيّة في مدرسة العرفان
وبعد ذلك انظروا إلى ما يقال من أنّ سالك طريق الله عليه أن لا يهتمّ بهذه الأمور مهما حصل! عليه أن لا يهتمّ بالأمور المعاصرة! أن لا يعتني بما يجري! أن يهمل الأمور بنحو من الأنحاء! فهذا كلّه خطأ. لقد كتب المرحوم العلاّمة في كتابه۱ أنّ السيّد القاضي زار يومًا السيّد الحدّاد في غرفته فأعدّ له كوبًا من الدوغ، وحرك الثلج بإصبعه. فاليد التي مسّت الحديد مثلاً أو الخشب أو أماكن مختلفة هي ملوّثة، وإن كانت في الظاهر نظيفة ولكنّها في الواقع ملوثّة فيها جراثيم. وما إن فعل ذلك قال المرحوم القاضي: اذهب وألقه بعيدًا. لماذا فعلت ذلك؟ وربّما كان السيّد الحدّاد يفعل ذلك سنوات مديدة ويشرب. ولكن هذا العمل الذي أوصى به تلميذَه له بعد تربويّ وليس بعدًا صحيًّا فحسب. فهذا هو المهمّ: أنت تلميذ في مدرسة كهذه، أنت تلميذ منهج كهذا، أنت تلميذ طريق كهذا، وتعتقد أنّه الأفضل والأعلى في جميع الآفاق والجوانب والحيثيّات، فعملك هذا إذا رآه إنسان منطقيّ ـ التفتوا جيّدًا ماذا أريد أن أقول ولنوسّع هذه المسألة ونطبّقها على جميع المواضع ـ لو جاء إنسان ونظر، طبيب، أو إنسان عاديّ درس في صفّين، إنسان يدرك شيئًا من أمور الصحّة وغيرها، فإنّه يعترض على عملك هذا، يجب أن لا يكون في مدرسة العرفان. انظروا كم المسألة مهمّة! فالعرفان ليس أمرًا هكذا كيفما اتّفق، كلاّ لا بدّ من تقديم الجواب أمام الوجدانات اليقظة. لا بدّ من تقديم الجواب أمام العقول السليمة والسالمة. هذه هي مدرسة العرفان. لا بدّ من تقديم الجواب المنطقيّ في كلّ مجال وفي كلّ طريق. لا بدّ من العمل بحيث لا يجد إنسان واحد نفسه محقًّا ولو نصرانيّ واحد، ولو يهوديّ واحد، ولو طفل، ولو ابن خمس سنوات، يرى نفسه محقًّا أمام هذا العمل ويعترض، فلا ينبغي أن يصدر هذا العمل من سالك، هذا هو السالك. مدرسة العرفان تدعونا إلى هذا الطريق، مدرسة العرفان تدعونا إلى هذه الطريقة من السير وتسوقنا إلى هذا النحو، فجميع الأعمال يجب أن تكون على أساس المنطق، يجب أن يكون الأمر على أساس صحيح.
- . الروح المجرد، ص ۱٢۰ صادف مرّة أن وضعتُ قدراً من الثلج في قدح فيه لبن رائب ممزوج بالماء، و أردتُ تقديمه إليه فقمتُ بمزجه و خلطه بسبّابتي لتبريده قبل تقديمه؛ فلم يشربه و قال: استعمل الملعقة للمزج، فأحرى باليد أن تكون ملوّثة! ثمّ قال: لقد اتّفق لي نفس هذا الأمر مع المرحوم السيّد (القاضي) فقد تشرّف يوماً بالمجيء إلى كربلاء و تفضّل بالمجيء إلى دكّاني، فأعددتُ له قدحاً من اللبن الرائب الممزوج بالماء و وضعت فيه الثلج ثمّ مزجته بإصبعي لُاقدّمه له، فاستنكف عن شربه و قال: لا تمزج بإصبعك!
