
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
كيف يجب أن يكون العمل الذي يشتغل به الإنسان؟ وكيف يجب أن تكون حاله بالنسبة إلى تحقيقه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذين السؤالين الأساسيّين، حيث يجب أن يقوم الإنسان بعمله على أفضل نحو ـ كمبدأ عام في النظريّة الإسلاميّة ـ بما لا يؤذي نفسه ولا يؤثّر على سائر جوانب حياته، كما يجب أن يرى نفسه واسطة للمشيئة الإلهيّة ويكون مسلّمًا لها، فقد يتحقّق العمل وقد لا يتحقّق، ومع ذلك عليه أن يقوم بما عليه حتّى اللحظة الأخيرة. وقد استشهدت لذلك بالعديد من المواقف والشواهد من سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام كمعركة صفّين ومواقف أولياء الله كالعلاّمة الطهراني في حرصه على تأليفاته حتّى النفس الأخير رغم علمه بعدم إكماله لها.
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
11لقد جاء أمير المؤمنين عليه السلام إلى جانب صفّين فرأى أنّ معاوية قد منع الماء، فقاتل حتّى أخذ الشريعة وساحل النهر، جاؤوا إلى أمير المؤمنين فقالوا: الآن نحن نمنعهم الماء، ونعجّزهم، وتعجيزهم يعني هزيمة معاوية. ولكنّ أمير المؤمنين قال: كلاّ: هذا العمل باطل، أعطوهم الماء. فهذا هو الإمام. فلو كنّا نحن هل كنّا نفعل ذلك؟! لو استطعنا لألقينا في هذا الماء السمّ. لماذا؟ ذلك الهدف الذي لدى عليّ يختلف عن الهدف الذي لدينا. إنّه يريد أن يعمل بالتكليف فحسب.
أيّها السادّة، رفاقي الأعزّاء، هذا الأمر لا يحصل لأيّ إنسان. لا يمكن لأيّ كان أن يرد هذا الوادي! إنّه الإمام. هدفه تحقيق المبادئ الإلهيّة. الآن بعد ألف وأربعمائة سنة نأتي ونقول: عليّ . فهل صار عليّ عليًّا هكذا؟! أم لا بل قام بهذه الأعمال حتّى صار عليًّا. فلو منع أمير المؤمنين الماء عن معاوية لما كنّا نقول الآن: عليّ. لكنّا نقول: ذلك خادع وهذا خادع أيضًا، لقد خادع فربح، لقد كان هذا أقوى، فلو فرضنا الأمر على عكس ذلك، افترض أنّ المقاتلين في جيش معاوية كانوا أقوى، لكان البحث بحثًا ظاهريًّا، بحث معادلات ومعاملات ظاهريّة، لما كان بحث قيم. لذلك عندما يبكي حجر بن عديّ على صفات أمير المؤمنين فإنّ معاوية القاسي القلب يبدأ بذرف الدموع. لماذا؟ لأنّه يعرف عليًّا. هو يعرف أنّه في يوم من الأيّام أغلق الماء أمام جيش عليّ ولكنّ أمير المؤمنين عندما سيطر على الماء سمح لهم أن يشربوا، فهذا ما يعلمه معاوية، معاوية الكافر، معاوية عديم الدين، معاوية عديم الوجدان، معاوية [المنكر] لكافّة الحقائق الإسلاميّة، خاضع أمام هذه الشخصيّة، متواضع أمام هذه الشخصيّة، وإلاّ لو كان أمير المؤمنين كمعاوية مخادعًا وماكرًا... الإمام نفسه يقول: وما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر. ولو أردت لضربته على يده، ولو فعل أمير المؤمنين ذلك لما بكاه معاوية عندما كان يذكر اسمه. فهذا الإنسان هو الذي يغدو أسوة، هذا الإنسان، عليّ هذا هو الذي يصبح أسوة لنا بعد ذلك، هكذا هو أمير المؤمنين. إلى أيّ بعد ينظر؟ إلى بعد التقدير والمشيئة الإلهيّة.
