
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
كيف يجب أن يكون العمل الذي يشتغل به الإنسان؟ وكيف يجب أن تكون حاله بالنسبة إلى تحقيقه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذين السؤالين الأساسيّين، حيث يجب أن يقوم الإنسان بعمله على أفضل نحو ـ كمبدأ عام في النظريّة الإسلاميّة ـ بما لا يؤذي نفسه ولا يؤثّر على سائر جوانب حياته، كما يجب أن يرى نفسه واسطة للمشيئة الإلهيّة ويكون مسلّمًا لها، فقد يتحقّق العمل وقد لا يتحقّق، ومع ذلك عليه أن يقوم بما عليه حتّى اللحظة الأخيرة. وقد استشهدت لذلك بالعديد من المواقف والشواهد من سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام كمعركة صفّين ومواقف أولياء الله كالعلاّمة الطهراني في حرصه على تأليفاته حتّى النفس الأخير رغم علمه بعدم إكماله لها.
رعاية جانبي التكليف والمشيئة معًا أثناء الاشتغال بالأعمال
10على أمير المؤمنين عليه السلام أن يعبّئ الناس ويرغّبهم بمحاربة معاوية، عليه أن يثيرهم للقضاء على حكومة الظلم الأمويّة. أمّا أنّ هذه الحرب ستصل إلى نتيجة أو لا تصل؟ فهذا فليس في يد عليّ، كلاّ، بل هو في يد الله. وقد رأينا أنّه لم يصل إلى نتيجة، ثمانية عشر شهرًا طالت معركة صفّين، قتل فيها تسعون ألفًا من الطرفين. فماذا حصل في النهاية؟ هل وصل أمير المؤمنين إلى نتيجة؟ نعم، وصل أمير المؤمنين إلى نتيجة، ولكنّ النتيجة كانت شخصيّة، هو عمل في هذا الطريق بتكليفه، هو وصل هنا إلى ما يجب أن يصل إليه، وصل إلى النقطة التي يجب أن يصل إليها. ولكن من الناحية الاجتماعيّة بقي الأمر ناقصًا، حتّى إنّ أمير المؤمنين قال مرارًا بعد معركة صفّين: سأجهد أن أطهّر الأرض من هذا الجسم المنكوس۱. سأبذل كامل قوّتي لكي أخلّص الأرض من هذا الإنسان الفاسد، ومن ظلم وجور هذا الإنسان المعكوس، سأبذل كامل قوّتي. فهل وصل إلى هذا الهدف؟ كلاّ، بعد بضعة أيّام من هذه الخطبة جاء ابن ملجم المرادي وضرب رأس أمير المؤمنين.
الفارق بين أهداف أولياء الله وأهداف غيرهم
يقول الإمام أنا أبذل جهدي، لا يقول: بما أنّه سيأتي التاسع عشر من رمضان ـ وقد كان يخبر بهذا الخبر أيضًا ـ بما أنّه سيأتي التاسع عشر من رمضان فأنا عليّ أن أتنحّى لماذا أسعى؟ بما أنّي سأقتل فلماذا أبذل الجهود؟ بما أنّه سيقع السيف على رأسي فلماذا أتكلّم؟! لماذا أتكلّم؟! كلاّ فالإنسان الكامل يعمل بوظيفته حتّى اللحظة الأخيرة؟ لماذا؟ لأنّ الهدف الذي لدى الإنسان الكامل يختلف عن أهداف الآخرين. فالآخرون يعملون ليصلوا إلى النتيجة التي يرغبون بها حسب أهوائهم ولو كانت الصبغة إلهيّة. ولو كان اللون إلهيًّا، ولو كان الظاهر إلهيًّا. يحاربون لكي يطبّقوا الإسلام حتمًا في بقعة معيّنة، وإن لم يطبّق سيختلّ العالم! المجرّات ستصطدم ببعضها! أمّا الإنسان الكامل فليس كذلك، يحارب لأنّ الله قال. ولذلك رغم أنّه يمكنه أن يصل إلى بعض الأمور، إذا أمر الله بالتوقّف يتوقّف. فالله قال إلى هنا. ونحن جئنا إلى هنا والآن نتوقّف.
- . نهج البلاغة( عبده)، ج ٣، ص ۷٢، كتاب ٤٥: سأجهد فِى أنّ اطَهِّرَ الأرضَ من هذا الشخصِ المعكوس و الجسمِ المركوس
