
التعهّدات الإلهيّة في الأمور المالية
ما هي التعهّدات الإلهيّة الماليّة؟ وما آثار عدم الالتزام بها؟ تبيّن هذه المحاضرة أنّ التعهّدات الإلهيّة الماليّة على قسمين: الأوّل: هو الأموال التي يجب دفعها عند تحقّق شروط معيّنة كالخمس والزكاة والكفّارات والنذور والنفقات الواجبة. الثاني: هو الأموال التي يجب تحصيلها ودفعها على كلّ حال كنفقات الحجّ وما يسمّى بالاستطاعة. ويجب الالتزام بدفع الأموال من القسم الأوّل والاهتمام به تمامًا كما نسعى إلى سدّ الديون التي علينا أو تأمين لوازم الاستشفاء، ونتيجة ذلك هي الحركة والتقدّم والنشاط، كما أنّ نتيجة ذلك هي التوقّف والكسل واختلاط المال الحلال بالحرام. كما يجب السعي إلى تحصيل الاستطاعة ولو بالاقتراض لأنّ الحجّ ثابت في ذمّة الجميع بلا شرط، والاستطاعة شرط للواجب لا للوجوب. وهو من أهمّ الواجبات وما ورد في شأنه لم يرد في شأن غيره. وقد استشهدت المحاضرة بالكثير من الشواهد والقصص من سيرة أولياء الله وكلماتهم.
التعهّدات الإلهيّة في الأمور المالية
14من الأخطاء المهمّة جدًّا التي ترتبك في المسألة الفقهيّة الآن هي أنّا لم نصل إلى مسألة الاستطاعة بمفهومها ومصداقها الشرعيّين كما ينبغي... أتعلمون ما معنى (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه...)۱ التعهّد الذي أخذه الله من الناس من كلّ إنسان مستطيع أن يحجّ. فبماذا نفسّر المستطيع نحن الآن؟ إذا حصلنا على مال ما وجاء به الريح، وأنفقت جميع ما تريد إنفاقه، وقضيت حياتك برفاهية، وبلغت ما تريد منها، وسافرت إلى حيث تريد من الدنيا، وهيّأت جميع الأمور، وجهّزت جميع بناتك للزواج، وهيّأت المال لتزويج جميع أبنائك، واشتريت لهم ما يحتاجون من وسائل، ثمّ بقي شيء بعد ذلك ولم يصرف ذلك المال قبل أن تحين أشهر الحجّ، شهر شوّال، ولم يحدث حدث يوجب صرف هذا المال، حينها يصبح الحجّ واجبًا! كلاّ ليس الأمر كذلك يا سيّدي.
المفهوم الصحيح للاستطاعة
{من استطاع إليه سبيلاً} بالنسبة إلى الحجّ تعني أنّه من استطاع ولو بأن يقترض فليذهب، من الذي قال أنّه حتمًا لا بدّ أن يكون لديه مال؟ فمن كان بإمكانه أن يقترض ثمّ يسدّ المال شيئًا فشيئًا خلال السنة فعليه أن يحجّ هذه السنة. وليس من الضروريّ أن يكون هناك مال زائد جانبًا، لقد أطلقت الاستطاعة في الروايات على حصول الزاد والراحلة، فمن كان عنده زاد للسفر وراحلة ومركب يركبه فهو مستطيع، وليس لدينا أيّ دليل على أنّ هذه الزاد والراحلة لا بدّ أن يكونا موجودين بالفعل. من كان يمكنه أن يحصّل، من كان لديه مال، من كان بإمكانه أن يقترض ويسدّد خلال السنة في الشهر خمسين ألفًا مثلاً، فهناك الكثيرون يقرضون، لديهم مال وليست لديهم حاجة، فيقترض الإنسان من صديقه، أو يؤمّن الظروف بنحو يقلّل فيه من ذلك الإسراف، ومن ذلك البذخ، ومن تلك الأسفار ويحجّ. زيارة الإمام الرضا عليه السلام مستحبّة، أمّا لو أدّت هذه الزيارة إلى العجز عن الحجّ فيجب أن لا يذهب إليها، يجب أن يحجّ، الحجّ واجب. الإمام نفسه عليه السلام يقول: يجب أن تحجّ.
ولن أقول لكم الآن ما قاله بعض الأعاظم حول الحجّ الواجب، أقتصر الآن على القول بالإجمال بأنّ الحجّ مهمّ إلى درجة أنّي لو قلت لكم كم هو مهمّ لذهبتم مشيًا على الأقدام. له هذا الأثر. ثمّ بعد ذلك نسمع في بعض الموارد أنّ فلانًا السيّد فلان رغم ما هو عليه من الشأن لم يحجّ؟ لماذا لم يحجّ؟ لم يكن مستطيعًا. من قال إنّه لم يكن مستطيعًا، كان مستطيعًا أن يبني ذلك المبنى... نعم؟ ألم يكن مستطيعًا؟ ما هذا الكلام؟ من يقول ذلك لم يصل إلى مفهوم الشرع وحاقّ الدين وتلك الحقائق التي في باطن الأحكام الشرعيّة والأوامر والنواهي الإلهيّة، وينظر إلى الأمور من مجرّد منظار ظاهريّ، وظاهر أيضًا جامد فيرى هذا الرأي.
- سورة آل عمران، الآية ٩۷.
