
التعهّدات الإلهيّة في الأمور المالية
ما هي التعهّدات الإلهيّة الماليّة؟ وما آثار عدم الالتزام بها؟ تبيّن هذه المحاضرة أنّ التعهّدات الإلهيّة الماليّة على قسمين: الأوّل: هو الأموال التي يجب دفعها عند تحقّق شروط معيّنة كالخمس والزكاة والكفّارات والنذور والنفقات الواجبة. الثاني: هو الأموال التي يجب تحصيلها ودفعها على كلّ حال كنفقات الحجّ وما يسمّى بالاستطاعة. ويجب الالتزام بدفع الأموال من القسم الأوّل والاهتمام به تمامًا كما نسعى إلى سدّ الديون التي علينا أو تأمين لوازم الاستشفاء، ونتيجة ذلك هي الحركة والتقدّم والنشاط، كما أنّ نتيجة ذلك هي التوقّف والكسل واختلاط المال الحلال بالحرام. كما يجب السعي إلى تحصيل الاستطاعة ولو بالاقتراض لأنّ الحجّ ثابت في ذمّة الجميع بلا شرط، والاستطاعة شرط للواجب لا للوجوب. وهو من أهمّ الواجبات وما ورد في شأنه لم يرد في شأن غيره. وقد استشهدت المحاضرة بالكثير من الشواهد والقصص من سيرة أولياء الله وكلماتهم.
التعهّدات الإلهيّة في الأمور المالية
15أمّا ذلك العارف الذي اطّلع على الحقائق الباطنيّة وتلك القيم وتلك الدرر الثمينة التي جعلها الله خلال الأحكام الإلهيّة لأجل تربية النفوس، وأشرف على هذه الحقائق والأمور الواقعيّة بوجدانه وقلبه وضميره ولمس حقيقة هذه الأمور بروحه، فهو يعلم ما هي الخسارة وما هو الضرر اللذين يصاب بهما أولئك الذين ينظرون إلى هذه الأمور نظرة بسيطة وإجماليّة وجامدة وسطحيّة! ذلك العارف الذي له إشراف على الحقائق الباطنيّة والأحكام الشرعيّة الأدلّة الشرعيّة والمراجع والمستندات الشرعيّة من خلال جانبين: جانب الباطن وجانب الظاهر معًا، هو الذي يمكنه أن يكشف الستار عن هذا السرّ هو الذي يمكنه أن يبيّن هذا الأمر هو الذي يمكنه.
موضوع الحجّ موضوع مهمّ جدًّا، كيف إذا حدث للإنسان حادث ما ـ كما ذكرت في القضيّة السابقة ـ يمكن أن يواجه، فيمكن للإنسان أن يقترض ثمّ يدفع خلال مدّة، فإن لم يكن بإمكانه أن يقترض فهذا أمر آخر، وله تكليف آخر. أمّا لو استطاع أن يقلّل من بعض الأمور، من بعض الإسراف، من بعض جوانب حياته، فمثلاً لو كان مصروفه في حياته مائتي ألف تومان في الشهر، إن لم يكن ثلاثمائة ألف تومان، فلتكن مائة ألف منها للحجّ وليجعل مائتين لحجّه، فما المشكلة في ذلك؟! لماذا؟ هل يجب حتمًا أن تكون الوجبات الثلاث للإنسان بنحو معيّن؟ أين ورد ذلك؟ من قال ذلك؟ كيف ولذلك ضرر كبير أيضًا؟! إذا تحدّثنا إن شاء الله لاحقًا في الفصول الآتية والجلسات الآتية حول كيفيّة التغذية فسنرى أنّه يمكننا أن نجعل أنفسنا بحالة أخرى، يمكن أن نجعل أنفسنا بنحو آخر.
حجّ الإمام الحسن عليه السلام ماشيًا
الإمام الحسن المجتبى عليه السلام الذي ذهب من مدينة إلى مكّة خمسًا وعشرين مرّة وبعض هذه الأسفار إن لم يكن أغلبها ـ أنا شاكّ ـ كان مشيًا على الأقدام والركائب تساق بين يديه. ۱ النوق والمراكب تساق بين يديه. لم يأت الإمام الحسن ليؤمّن حياته وعياله وكلّ شيء بشكل منظّم ثمّ يذهب بعد ذلك. كلاّ بل نفس تلك الحياة المتعارفة التي كانت، إذا صار وقت الحجّ كان يقول فيها تفضّلوا لنذهب. بنفس تلك الحياة المتعارفة، هي بنفسها هناك. كلاّ لم يكن الأمر كذلك. الأعاظم عندما كانوا يذهبون إلى الحجّ لم يكونوا كذلك، هل كانوا ينزلون في فنادق كذا وكذا ؟ كلاّ فمكّة لم تكن سابقًا هكذا. فكم منزلاً كان في مكّة سابقًا؟ كان الجميع في الخيم. كما هو الحال الآن في عرفات ومنى، فكلّ الحجّاج كانوا قبل ذلك في السنوات السابقة أي قبل مئات السنوات، ولم يكن هذا الحال الذي نراه الآن من الأبراج الطويلة وما شابه. وحين لم تكن هذه الأمور، فأين كان هؤلاء؟ كانت لهم خيام يجلسون تحتها، ثمّ يأتون إلى المسجد الحرام، ثمّ يرجعون إلى خيامهم وينامون. هكذا كانت الأحوال. فكما هم الحجّاج الآن في عرفات ومنى بل لم يكونوا على هذه الدرجة من الخيام ذات المكيّفات ويبرّدون أجواء المنطقة بالماء وأمثال ذلك. كلاّ بل خيمة وبضعة حبال يربطونها بالأرض فكان سيّد الشهداء عليه السلام مثلاً ينام تحت هذه الخيمة، وكان الإمام الصادق عليه السلام ينام تحت هذه الخيمة. هكذا كان الحال في مكّة، خيمة لا أكثر. ثمّ كانوا يذهبون، ومحلّ سكنهم وفندقهم وغرفتهم هذه الخيمة. يذهبون إلى المسجد الحرام ويزورون ويطوفون ثمّ يرجعون إلى فندقهم هذا ينامون فيه! هكذا كانت مكّة سابقًا.
- . وسائل الشيعة، كتاب الحجّ، أبواب وجوبه و شرائطه، ج ۱۱، ص ۷۸، باب ٣٢، حديث ٣؛ وَ بِإسنادِهِ عَن موسَى بنِ القاسِمِ، عَن ابنِ أبى عُمَيرَ، عَن حَمَّادٍ، عَنِ الحَلَبىِّ، قالَ: سَألتُ أبا عَبداللَه( عليهالسّلام) عَن فَضلِ المَشىِ؟ فَقالَ: إنَّ الحَسَنَ بنَ عَلىٍّ قاسَمَ رَبَّهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ حَتَّى نَعلًا وَ نَعلًا، وَ ثَوبًا وَ ثَوبًا، وَ دينارًا وَ دينارًا، وَ حَجَّ عِشرينَ حِجَّةً ماشيا عَلَى قَدَمَيه.
