
علاقات الإنسان بالعمل خارج المنزل
كيف نبدأ يوم العمل؟ وما مقدار ساعاته؟ وكيف نخرج إليه؟ وكيف تكون نيّتنا فيه؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، ضمن شرح فقرة ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا من حديث عنوان البصريّ، وتطبيقها على إدارة العمل خارج المنزل. وبعد التأكيد على ما تقدّم من محوريّة التوحيد في هذه الإدارة أيضًا وفي العلاقة مع النفس وعدم ملكيّة الإنسان للتصرّف في نفسه، تبيّن المحاضرة أنّه لا بدّ من البدء بيوم العمل بالطريقة التي أرادها الله المالك تعالى، وهي: 1ـ الاهتمام بالمراحل الثلاث للمراقبة بالمعنى الأعمّ من المشارطة قبل الخروج والمراقبة بالمعنى الأخصّ في الأثناء والمحاسبة قبل النوم. 2ـ عدم تأدية العمل لحساب النفس ولكن لحساب الله بمعنى رؤية أنّ العامل هو الله. 3ـ أن يكون عدد ساعات العمل بحيث لا تستنزف قدرة الإنسان وتمنعه من الارتباط بالله والتوجّه إليه في صلاته وتلاوة القرآن، وكذلك لا تمنعه عن علاقاته الأخرى بزوجته وأولاده وأصدقائه. 4ـ القيام بالتكليف حسب القدرة وعدم الاهتمام بالنتيجة. وقد بيّنت المحاضرة أثناء ذلك معنى دعاء الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وحديث اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا... مبيّنة معنى لطيفًا له هو عدم الاهتمام بشأن الدنيا كمن يبقى فيها دائمًا ولا يخشى فواتها. إضافة العديد من الوصايا الأخلاقيّة الأخرى. واستشهدت للنقاط السابقة بشواهد من سير أولياء الله ومواقفهم كقصّة عبد المطّلب وأبرهة، ورؤيا للعلاّمة الطهراني رأى فيها نفسه أمام نفق قصير وواسع ينتهي إلى روضة نضرة، ورؤية رجل آخر أمام نفق طويل وضيّق.
علاقات الإنسان بالعمل خارج المنزل
8يقول الله: أنت فعلت هذه الأعمال، أنت جاهدت في سبيلي، أنت أنفقت من أجلي، أنت ساعدت الفقراء، أنت ساعدت أخاك، أنت أخذت بيد المحتاج، أنت فعلت هذا العمل.
يقول: لا، ما أنا فعلته، أنت فعلته، أنت وفّقتني.
هنا يبقى الله وحده، هنا يخاطب الله الملائكة الموكّلين بالأعمال أن أوكلي هذا العبد إليّ! أنا أحاسبه. هنا يمضي الملائكة جانبًا، ويبقى الله والإنسان. فهذا مبدأ من مبادئ العرفان.
وعلى هذا الأساس فإنّ المسألة في العمل خارجًا تنصرف إلى محوريّة الله، تذهب إلى حقيقة التوحيد تلك، فيصبح التكليف لأجله. وعلى الإنسان أن ينظر ما هو الأمر الذي يأتي من جانبه، وما هو النهي الذي ينهى عنه؟ يقول الله لإنسان: افعل هذا. ويقول لآخر: لا تفعل هذا. كلّ إنسان مكلّف بأن يعمل وفق موقعه، وعلى الإنسان أن يعرف موقعه، وأنّه أمام أيّ حقائق ووقائع؟
معنى اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا...
يذكّر الإمام المجتبى عليه السلام هنا بهذه النقطة المهمّة للغاية فيقول:
اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدًا۱
كم للدنيا من الأهميّة عندك وكم للآخرة؟ المسألة واضحة وضوح معادلة اثنين في اثنين تساوي أربعة. فكم للإنسان من العمر؟ ستون سنة، سبعون سنة، لن يعمّر أكثر. وخصوصًا في هذا الزمان الذي لا قيمة فيه لشيء والثلاثون فيه كثيرة، فمن كلّ ناحية ومن كل مكان يأتيه الموت حسب الاحتمالات! هناك من حسَب الاحتمالات، وقد قرأت في مكان أنّ في كلّ ثانية يواجه الإنسانُ خمسين ألف احتمال للموت. في كلّ ثانية وفق حساب الاحتمالات والأمراض والأمور والمشكلات المختلفة والحوادث التي يمكن أن تقع، حَسَبَهَا فكانت في كلّ ثانية إمّا خمسة آلاف أو خمسين ألفًا والترديد منّي. ولو أضفنا أمورًا أخرى فإنّ نسبة هذه الاحتمالات سترتفع، فهل في مثل هذه الحال يعتمد الإنسان على غده؟ هل يعتمد على ما بعد غده؟ كم من الناس وضعوا رؤوسهم ليلاً على الوسائد ولم يستيقظوا عند الصباح؟! وهناك أناس خرجوا من منازلهم وماتوا بحادث سير؟! وهناك أناس واجهوا آلاف الأمور المفاجئة وخرجوا من هذه الدنيا، فهذه الدنيا هي ما نراه نحن الآن، هذه هي، هذه الحالة التي نراها، هي عدم القيمة التي نراها، هي عدم الثبات والضعف الذين نراهما، هذه هي الدنيا. ليس للإنسان خبر عن ساعة لاحقة، ليس للإنسان خبر عن دقيقة واحدة لاحقة، حيث يمكن أن يحصل أيّ حدث لا علم له به. فأيّ اعتماد نعتمد على هذه الدنيا؟ وأيّ اعتماد نعتمد على الآخرة التي هي اللانهاية إذا ما قورنت بعدد ما؟ عندما نموت من هذه الدنيا فإنّ أيدينا ستصبح قاصرة عنها، فلن يعود هناك سرطان، كافّة علوم الطبّ هناك ستنتهي ويختم عليها، كافّة علوم الهندسة يختم عليها هناك. الملائكة هناك يبنون المباني، لا نحتاج هناك إلى مهندس معماريّ ولا إلى خارطة: أين نجعل الحمّام؟ وأين نجعل بيت الخلاء؟ وأين نجعل غرفة الاستقبال؟ هناك يوجد تسرّب للمياه، هناك بالوعة الصرف الصحّي خربت، كلاّ! فالملائكة يبنون. وعندما يبني الملائكة فإنّهم يبنون بشكل جيّد. وهو يرتبط بمقدار تقدّمنا، فبهذا المقدار هم يهتمّون. وهناك ستكسد سوقنا نحن، فأنا أعدكم أنّه لا صلاة ولا صيام ولا خمس ولا زكاة ولا حجّ ولا شيء هناك! نحن أيضًا علينا أن نسعى إلى عملنا! علينا جميعًا هناك أن نحمل سجلّاتنا بأيدنيا ونمضي خلفها. ما كان في هذه الدنيا فقد انتهى.كلّ مهنة كانت في هذه الدنيا فقد انتهت، فإن كنت طبيبًا فقد انتهت، وإن كنت مهندسًا فقد انتهت، وإن كنت تاجرًا فقد انتهت، وإن كنت بائعًا فقد انتهت، وإن كنت رئيسًا فقد انتهت، وإن كنت حاكمًا فقد انتهت، وإن كنت فقيهًا فقد انتهت، وإن كنت الوليّ الفقيه فقد انتهت، وإن كنت مرجعًا فقد انتهت، وإن كنت طالبًا للعلوم الدينيّة فقد انتهت، مهما كنّا في هذه الدنيا فقد انتهى.
- بحار الأنوار، ج٤٤، ص ۱٣٩.
