
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
4فمَنْ اكتشف هذا الأمر في ذلك الزمان ؟ لم يكتشفه حتّى رجل واحد في ذلك الوقت. أترون كم هو أمر عجيب، وكم هو الاستعمار قويّ، وكيف يعمل بشكل منظّم ومدروس ودقيق ومبرمج ! فهل تتصوّرون أنَّهم عندما يريدون أن يزرعوا طالبًا في مدارسنا العلميّة سيرسلون طالبًا حليق اللحيّة ومعه أدوات لهوه ولعبه .. كلّا، لأنَّهم إن فعلوا ذلك سيُكتشف أمرهم فورًا.
ولماذا [يتّبعون هذه الأساليب] ؟ إنَّهم يقومون بذلك لأنَّ الأمور تجري وفقاً لأسبابها الظاهريّة .. فهل يمكن أن يحقّقوا هدفهم الّذي يبغونه إن رتّبوا الأسباب الظاهريّة بخلاف الهدف، كلّا لا يمكن أن يتمّ ذلك، لذا تراهم يجلبون طالبًا ذا مظهرٍ وقور يفوق بوقاره وقار الآخرين، ويؤدِّي صلاته أفضل مِنَ الآخرين، ويمدّ كلمة {ولا الضالين} في صلاته، ويُخرج حرف العين في {إيّاك نعبد} مِنْ قعر الحلق وكأنَّها تخرج مِنْ بطنه .. نعم، إنَّهم يتصرفون بهذا الشكل في المجتمع، وينخرطون فيه، ويتعلّمون كلّ شيء عن المذهب ويطّلعون على أسراره، ويتعرّفون على الأفراد. وكذلك هي الحال في هذه الأيّام أيضًا، فلم يختلف الأمر شيئًا .. فهم يقومون كلّ يوم بوضع الخطط والبرامج بأشكال مختلفة وفي المجالات المختلفة.
وهذا ما شاهدناه بأنفسنا، فرأينا كيف جاء أناس مِنْ هذا القبيل واستغلّوا دماء المضحّين بأنفسهم في هذا البلد مِنْ أجل الإسلام، الّذين قارعوا نظام الحكم الطاغوتيّ واستشهدوا مِنْ أجل رفع راية الإسلام على هذه الأرض. ثمّ رأينا أيّ نوع مِنَ الناس جاء وجلس على هذه المائدة، وأيّ بلاء صُبّ على رأس هذه الأمّة، فتظاهروا باعتناق عقيدة هذه الأمّة وانتهاج نهج زعمائها. ولقد رأينا بأنفسنا أيّة خيانة قد ارتكبوا بحقّ الأمّة، وأيّ مصائب أنزلوها، [وأيّة خسارة تسبّبوا بها، تلك الخسارة] الّتي قال عنها المرحوم العلّامة أنَّها لا تُجبر؛ وذلك عندما أشار إلى صورة ذلك الرجل المنشورة في إحدى الجرائد، ولا أدري إن كان لا يزال حيّا أم لا، [وأقصد بذلك] تلك الحادثة الّتي كنتُ قد حدثتكم عنها حيث حصل أن كنَّا عائدين مِنَ المسجد فأشار العلّامة إلى الصورة بعصاه وقال لي: من هذا ؟ قلتُ له: إنَّ اسمه كذا، وقد ظهر على الساحة مؤخّرًا – فهو لم يكن معروفًا قبل ذلك الوقت، وهو الّذي أصبح رئيسًا للجمهوريّة فيما بعد – فنظر إلى الصورة نظرة ثمّ قال: سينزل على الأمّة بسبب هذا الرجل بلاء غير قابل للجبر. فمَنْ كان يعلم ما الّذي سيحصل .. ومَنْ كان يعرف هذا الرجل المنحرف الّذي أمضى سنوات مِنْ عمره بين طلاب الحوزة العلميّة في النجف .. ومِنْ قِبَل مَنْ قد أُرسل ؟ لا يمكننا أن نعرف ذلك، لأنَّنا نطّلع على الأمور مِنْ خلال ظواهرها؛ فإن كان ظاهر الرجل مرتّبًا فمَنْ ذا الّذي يستطيع أن يعلم شيئًا عمّا يجري في باطنه ؟ وإن كان ظاهره مضلِّلًا فمِنْ أين للمرء أن يعرف حقيقته ؟
