
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
3وها نحن نلمس بكلّ وجودنا الفرق بين هذه المدرسة وسائر المدارس والفِرَق الأخرى، فهذا الفرق هو فرق ماهويّ أي فرق جوهريّ .. ما الّذي يعنيه الفرق الجوهريّ ؟ إنَّه يعني [أن الفرق بين هذه المدرسة وغيرها] كالفرق بين الحجر العادي وحجر الزمرّد؛ فإنّك لن تشتري طنّا مِنَ الحجر العادي ولو بخمسة دنانير، أمّا تلك القطعة الصغيرة مِنَ الزُمرّد أو حجر الماس، فإنّها لا تقدّر بثمن في بعض الأحيان .. هذا هو معنى الاختلاف الماهويّ .. إنَّه يعني الاختلاف الجوهريّ والاختلاف في الأصل والأساس.
[فالفرق بين هذه المدرسة وغيرها] يعود إلى الاختلاف في طبيعة الرؤية. وسبب اختلاف الرؤية يعود إلى تلك المطالب الّتي قرأها الإخوة في الجزء الثاني مِنْ كتاب أسرار الملكوت۱؛ وهي أنّ قلب العارف وضميره متّصل بمصدر الإرادة والمشيئة، حيث تكون النَّفْس خارجة بشكل كامل عن الطور البشريّ، فلا الأفكار البشريّة ولا الخيالات والأوهام العاديّة قادرة على إغوائه، وقد أضحى مسيره واضحًا ومبيّنًا ببرهانٍ مِنْ نور الله.
فأين هذا الرجل مِنْ ذاك الّذي تستند أفكاره على تخيّلات مبنيّة على ما يصله مِنْ معلوماتٍ منها الصحيح ومنها السقيم. إنّ الإدراكات الّتي يحصّلها الإنسان بعينه وأذنه، وبشكل عام فإنّ إدراكاته الظاهريّة كلّها قد تكون خاطئة أحيانًا ومصيبة أحيانًا أخرى. فقد يجلس أمامك رجل ذو هيئةٍ أنيقة ومرتّبة وبمظهر لا يمكنك معه أن تتوقع أنّه يقوم بعمل خاطئ أو محرّم، ولا ترى منه أيَّ تصرّف غير لائق، ولا تسمع منه أيّ كلام باطل، وعندما تتكلّم معه وترافقه تجده رجلًا رزينًا، غير أنَّك لا تستطيع أن تعرف أيّ شيء عن باطنه وعمّا يخفيه ويفعله في خلواته. فعينك وأذنك حينئذ هما مصدر جميع تصوّراتك عنه، [فجميع تصوّراتك عنه] تعتمد على ما تشاهده منه، وبناء على ذلك تحكم بتقواه وعدالته .. حتّى إذا مرّت السنين الطوال وتمكّنَ مِنْ تحقيق هدفه النحس والمقيت، فستعرف عندها أيّ نوع مِنَ الرجال كان.
لزوم الحيطة والحذر؛ قصة الطالب الجاسوس والرئيس المنحرف
كنتُ قد ذهبت يومًا، وذلك قبل عشر أو اثني عشر عامًا، لزيارة أحد العظماء، وكان ذلك قبل وفاته بأيام، وهو رجل قدير للغاية وله إلمام ببعض العلوم وله حالاتٌ [معنويّة] جيّدة، فالرجل كان يختلف عن غيره مِنَ الناس. ودار الحديث عن لزوم الحيطة والحذر في بعض المواقف، فقال الرجل: عندما كنتُ في النجف، كان هنالك طالب معروف بين الآخرين بكثرة علمه وحدّة ذكائه، وكان صاحب ذوق سليم وقابليّة لفهم الأمور، وكان مِنْ أبرز المستشكلين في دروس المرحوم الآخوند الملّا محمّد كاظم الخراسانيّ وغيره مِنْ عظماء النجف، وكانت تربطني به علاقة صداقة، فعندما نلتقي كنَّا نتبادل التحيّة والاستفسار عن أحوال بعضنا البعض، واسمه الشيخ علِيّ .. كما كان الرجل مَضْرَبًا للأمثال في زهده وتقواه وصلاحه وحسن خلقه وخصاله في مدينة النجف، فإن أراد أحدهم أن يضرب مثلًا في التهجّد وإحياء الليل والزهد والاعراض عن الدنيا كان يَذكر الشيخ علِيّ كمصداق، وإن كان أحدهم يريد الحديث عن حدّة الذكاء وقابليّة الفهم كان يستشهد بالشيخ علِيّ – إنَّ لهذا الرجل قصّة طويلة لا أدري إن كنتُ قد حكيتها للإخوة أم لا – ثمّ يقول هذا الرجل القدير: وبعد الحرب مع الانكليز واحتلالهم للعراق قاموا باعتقال العلماء الّذين شاركوا في تلك الحرب وأبعدوهم إلى أماكن مختلفة، وكان أحد أصدقائي مِنْ ضمن المُبعدين إلى إحدى الدول – وهي الهند على ما يبدو – فقال لي هذا الصديق: بينما كنتُ جالسًا يومًا في معسكر احتُجِزْنا فيه في منطقة نائية، جاءني رجل وجلس إلى جانبي وأخذ يحاورني، فوجدته يمتلك نصيبًا مِنَ العلم وعنده اطّلاع على علم الفقه. ثمّ استرسلنا في الحديث فورد في ميدان البحث العلمي بكلّ كفاءة واتقان. ثمّ استوقفتني نبرة صوته، فقلت له: ألستَ الشيخ علِيّ ؟! فقال: نعم .. إلّا أنَّه كان ذا لحية وعلى رأسه عمامة في ذلك الوقت [عندما كان في النجف]، أمّا الآن [في المعسكر] فهو حليق اللحية وعلى رأسه قبعة بدلًا عن العمامة .. كما أنَّه كان يمسك عصًا بيده، وها قد استبدلها بشيء آخر. وقد تبيّن بعد مدّة أنَّ ذلك الرجل الّذي كان يتمتّع بكلّ تلك الصفات لم يكن سوى جاسوس إنكليزيّ.
- ) هو كتاب مِنْ ثلاثة أجزاء مِنْ تأليف سماحته، وهو مترجم إلى العربية. (م)
