
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
17كانت الكتب الّتي تُألّف في عهد الملك ناصر الدين شاه ومظفر الدين شاه، يُكتب فيها مِن الألقاب ما يعادل مقداره جزءً مِنَ القرآن، مثل: خاقان۱ الدولة وسلطان السلاطين، والخاقان ابن الخاقان ابن الخاقان .. فما الّذي يجري يا هذا .. فكم يبلغ وزنك حتّى يكتبوا لك كلّ هذا العدد مِنَ الألقاب كـ الخاقان ابن الخاقان ابن الخاقان والسلطان ابن السلطان ابن السلطان ؟! إذ لا ميز بين عدمٍ وعدم، فالأعدام لا تختلف عن بعضها، فسواء كان اللقب هو هذا أو ذاك، فلا فرق بينها؛ إذ ليست إلا أوهامًا وتخيّلات. إنَّ أمير المؤمنين تخلّص مِنْ كلّ ذلك وأراح بما كتبه. فإن كنتَ تريد أن يُكتب على حَجَرِ قبرك شيئًا، فيمكنك أن تكتب [ما كتبه × على قبر سلمان]:
وفدت على الكريم بغيرِ زادٍ *** مِنَ الحسناتِ والقلبِ السليمِ فحَمْل الزادِ أقبح *** كلّ شيءٍإذا كان الوفود على الكريم أي ها قد وفدتُ على عظيم ويداي خاليتين، فلم أجلب معي أيّة هديّة تليق بمقامِ العظيمِ الّذي وفدتُ عليه.
أتعلمون كم عَمَّرَ سلمان ؟ إنَّ أقلّ ما جاء في الروايات عن عمر سلمان هو مائتان وعشرون عامًا، وجاء في بعض الكتب أنَّه عمّر ثلاثمائة وثمانين عامًا. ولم أرَ في الكتب مَنْ ذكر أقلّ مِنْ مائتين وعشرين عامًا. نعم، لقد عمَّر سلمان طويلًا، وكان قد التقى بالكثير مِنَ العظماء وأولياء الله، وقصّته معروفة .. وكان قد أُسِرَ وجرى عليه ما جرى إلى أن وصل إلى النبيّ أخيرًا، ومِنْ هناك وصل إلى مقام «سلمان منَّا أهل البيت»٢، وقال فيه الإمام الصادق أنّه قد حاز على درجات الإيمان العشر كلّها٣. ونادرًا ما نجد كلامًا مثل هذا الكلام صادر بحقّ أحد أصحاب الأئمّة. نعم، يوجد مَنْ صدر بحقهم مثل هذا الكلام إلّا أنّ عددهم كان قليلًا – ثلاثة أو أربعة – كجابر بن يزيد الجعفيّ وحبيب بن مظاهر.
يقول أمير المؤمنين [في تلك الأبيات] أنّ سبب نيل سلمان ذلك المقام مكتوبٌ في الشعر الّذي حفرته على قبره، وهذا الشعر يحكي عن ذلك المقام، وذلك حيث يقول: «وفدت على الكريم بغير زاد»، إنَّ الوفود يعني الحلول والنزول، أي ها قد وفدت على كريمٍ وأنا بدون زاد أو متاع مِنَ الحسنات، فليس لديّ أيّة حسنة لا ظاهرةٍ ولا باطنةٍ؛ فمِنْ حيث الظاهر فلم يكن عملي الظاهريّ صالحًا، ومِنْ حيث الباطن فلم أتمكّن مِنْ تحصيل قلب وضمير سليمين وصالحين لكي أعرضهما على ربي ..
- ) كلمة (تتريّة أو تركية) معناها مَلِك، وهي عند العرب علم جنس لملوك الترْك والتتَر والصين. (م)
- ) بحار الانوار، الشيخ المجلسي، ج ٢٢، ص ٣٣٢ .
- ) جاء في الخصال للشيخ الصدوق، ص ٤٤۸: عن عبد العزيز القراطيسي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فذكرتُ له شيئًا مِنْ أمر الشيعة ومِنْ أقاويلهم، فقال: يا عبد العزيز، الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم له عشر مراقي، وترتقى منه مرقاةً بعد مرقاةٍ، فلا يقولنّ صاحب الواحدة لصاحب الثانية لستَ على شيء، ولا يقولنّ صاحب الثانية لصاحب الثالثة لستَ على شيء، حتّى انتهى إلى العاشرة قال: وكان سلمان في العاشرة، وأبو ذر في التاسعة، والمقداد في الثامنة ... [المترجم]
