
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
15وعند خروجنا مِنْ بيته، التفتُّ إلى أحد الأصدقاء الّذي كان معي، وقلتُ له: لو كنتُ مكانه لَما قلتُ حتّى هذا الكلام، إذ مَن وفّقك لإحياء الليل إلى الصباح .. فلو أنَّ الله كان قد أغمض عينيك [في إحدى تلك الليالي]؛ أفما كان صوتك سيرتفع بالبكاء والعويل قائلًا: ها قد نمت ساعة مِنَ الليل. وللطمتَ رأسك وقلتَ: يا للويل فقد فسد كلّ شيء، فلم أوفّق [للمواظبة على البرنامج] إلّا لثلاثة أشهر فقط، وقد فسُد الآن بسبب الساعة أو الساعتين الّتي نمتها. [أقول] إن كنتَ قد نمتَ فقد نمتَ، فهذا لا يوجب الحسرة ... يجب عَلَيّ من باب الأدب أن لا أذكر بعض الأمور، والأخوة يعرفون الحال.
شحْذ الهمّة وخلوص النيّة من المباني التوحيديّة
لا ينبغي أن يتخلّل عملنا أيّة شائبةٍ وتعلّقٍ نفسانيّ؛ فما المشكلة في أن يغلب النومُ على الإنسان في وقت مِنَ الأوقات، أو أن ينام قليلًا عند شعوره بالتعب، فهل أوجب الله علينا عدم النوم عند الشعور بالتعب ؟! كلاّ، بل يمكننا أن ننام لساعة أو ساعتين ثُمّ ننهض [للعبادة]، غير أنَّنا نحن الّذين نريد أن نبقى مستيقظين طوال الليل حتّى الصباح، وذلك لكي نقول أنَّنا قد قمنا بعمل متميّز. هذا أمر لا يقرّه منهج العرفان، فالمنهج المبنيّ على التوحيد يقول: عليك أن تشحذ همّتك وتُخْلِص نيّتك، فإن تمكّنت أن تبقى يقظًا فقد حصل المطلوب، أمّا إن غلبك النوم فلا ضير في ذلك. حبّذا نوم الأكياس وإفطارهم. فلأيّ شيء جعل الله النوم ؟! إنَّ الجهاز العصبيّ للإنسان يحتاج إلى النوم والراحة، فيستطيع المرء أن ينام لساعتين ثمّ يقوم لأداء أوراده وأذكاره بحضور قلب .. أذلك خير أم أن يؤدّي الأوراد وهو متعب فتأخذه الغفوة حينًا بعد حين ويتمايل رأسه ذات اليمين وذات الشمال، فأيّ الحالتين أفضل ؟!
ألم يكن النبيّ ينام، متى بقي النبيّ مستيقظًا طوال الليل لستّة أشهر متوالية ؟ بل إنَّ طريقة تهجّد النبيّ كانت بأن ينام لساعتين ثمّ ينهض ويصلِّي أربع ركعات، ثمّ ينام مرّة أخرى لساعة فينهض بعدها ليصلِّي أربع ركعات أخرى، ثمّ يصلِّي الركعات الثلاث المتبقيّة إلى أن يطْلُع الفجر فيصلّي حينئذٍ صلاة الصبح. وقد أوصانا المرحوم العلّامة بأداء صلاة الليل على هذا النحو. ومَنْ لا يتمكّن مِنْ أدائها بهذا الشكل يستطيع النهوض قبل آذان الصبح بساعة [لأدائها]، غير أنَّ كيفيّة صلاة الليل في الأساس هي بالشكل الّذي ذكرناه أولًا. نعم، لقد كان النبيّ ينام أيضًا، فهل كان يرتكب خطأ بنومه ؟! ألم يكن أمير المؤمنين والإمام الصادق والإمام الرضا ينامون أيضًا ؟! نعم، كانوا ينامون ثمّ ينهضون للصلاة. فما الضير في ذلك ؟! فنحن مِنَ النوع البشريّ ولسنا مِنَ الملائكة. على أنَّ مَنْ يتمكّن مِنَ استيقاظ الليل كلّه لمدة ستة أشهر، فهو رجل حقّا.. هذا في الوقت الّذي شاهدتُ بنفسي مَنْ لا ينهض لصلاة الصبح ما لم يُوقظه أحد، فإن لم يوقظه أحدهم كان يؤدِّي صلاته قضاءً. وعليه فإن قام رجل بذلك العمل وبتلك الكيفيّة، فلا يمكننا أن ننظر إلى عمله هذا على أنَّه عمل عاديّ وهَيّن.
