
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
14يقول ذلك الزائر: عندما وجدت المرحوم السيِّد البروجرديّ يبكي قلتُ له: لقد قمتَ ببناء المساجد. [فقال:] لن تنفعني في شيء – فالرجل كان يرى، نعم كان يرى بنفسه عدم فائدة ذلك – [قلتُ:] لقد بنيتَ كلّ هذه المدارس. [قال:] لن تنفعني في شيء. [قلتُ:] لقد قمتَ بمساعدة الطلّاب، ونشرتَ العلم. [قال:] لن تنفعني في شيء. [قلتُ:] لقد قمتَ بمساعدة الفقراء والمحتاجين – إنَّه يرى يده خالية مِنْ كلّ ما يمكن أن يُتمسّك به – ثمّ يقول الرجل: فقلت له عندها: هل تؤمن برواية المعصوم الّتي يقول فيها: مداد العلماء أفضل مِنْ دماء الشهداء۱ ؟ فقال: نعم، وأنا واقع في سلسلة سند هذه الرواية، وقد قمتُ بنقلها للآخرين. فقلت: أفلا تنفعك تلك الكتب الّتي ألّفتها – إذ كان المرحوم البروجرديّ قد ألّف كتباً، بمعنى أنّه أشرف على المشروع لا أنَّه كتبه بيده، وأعني بذلك كتاب «جامع أحاديث الشيعة» المعروف – فقال عندها: لعلّ ذلك ينفعني لأنّني نقلتُ فيه الروايات الواردة عن الأئمّة.
[أقول] لو كنتُ مكانه لقلتُ: وهذا أيضًا لن ينفعني. [اعلموا] أنّي لستُ بعارف، غير أنَّ العظماء علّمونا، لقد علمونا أنَّ الإنسان إن قام بعمل خير فلماذا ينسبه إلى نفسه، هذا مع حفظ كون الرجل عظيمًا للغاية غير أنَّ العرفاء علّمونا السعي لبلوغ ما هو أعلى مِنْ ذلك. فلدى الإمام الصادق ما هو أعلى مِنْ ذلك، ولقد صعد الإمام إلى تلك القمّة الّتي لا تعلوها قمّة. إنَّ أولئك الرجال كانوا عظامًا، وكانوا يتمتّعون بدرجات رفيعة، [غير أنَّها متنوّعة] فهنالك درجاتٌ بارتفاع مترٍ واحدٍ – وهي درجة يتوجّب أن نترحّم على صاحبها مائة مرّة أكثر مِنْ صاحب درجة العشر سنتيمترات – ودرجاتٌ بارتفاعِ مترينِ وثلاثةِ، غير أنَّ الإمام الصادق يضع قدمه على تلك الدرجة الّتي لا تعلوها درجة. فما هي تلك الدرجة ؟ إنَّها مقام العبوديّة، المقام الّذي يُقال فيه كن عبدًا، أي كن صفرًا لا تمتلك لنفسك شيئًا.
كنتُ يومًا في محضر أحد العظماء – الّذي انتقل إلى رحمة الله، والله أسأل أن يرفع مِنْ مقامه فله حقّ كبير في عنقي – فقال لي: يا فلان، لقد خاطبتُ الله يومًا فقلتُ له: إلهي لقد اشتغلتُ بالتدريس والتأليف ونشر مباني الدين، وقمتُ بأعمال في شهر رمضان وصليتُ بالناس وأرشدتهم – لقد كان هذا الرجل عظيماً حقّا مُعرضًا عن الدنيا وهو يختلف عن غيره وهذا ممّا لا شكّ فيه، غير أنَّ هناك أمرًا يفوق هذا الشيء – إلّا أنّه يا إلهي ليس لديّ إلّا أمرًا واحدًا لأقدّمه لك وهي الأشهر الستة المتوالية، الّتي لم يتخلّلها توقف ولو ليوم واحد، والّتي أمضيتُ لياليها مستيقظًا حتّى الصباح ونهارها صائمًا إلى الليل. فلْيكن هذا هو العمل الوحيد الّذي قمتُ به مِن أجلك ولا عمل غيره.
- ) جاء في كتاب (مَنْ لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق، ج ٤، ص ٣۸٩: عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله عزّ وجلّ الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين فتُوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجّح مداد العلماء على دماء الشهداء».
راجع حول هذا الموضوع كتاب (اسرار الملكوت) للسيّد محمّد محسن الطهرانيّ، ج ۱، ص ۸٢.
- ) جاء في كتاب (مَنْ لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق، ج ٤، ص ٣۸٩: عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله عزّ وجلّ الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين فتُوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجّح مداد العلماء على دماء الشهداء».
