
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
12وعليه، فإن جاء مريض إلى الطبيب وشكره على شفائه، فعلى الطبيب ألّا يرى نفسه صاحب التأثير، وألّا ينسب هذا الفعل إلى نفسه. لماذا ؟ لأنَّه يتوجّب علينا أن نتذكّر في الحال أنَّ الإمام الصادق قد علّمنا أنَّ الله قد جعل الشفاء في إرادته، فإن أراد لهذا الدواء أن يشفي المريض فسيشفيه، وإلّا فلا. [وإن لم يُرد الله شفاءه] فلو أنّ الطبيب أعطى المريض ملء خزّانٍ مِنَ الأدوية بدلًا مِنْ تلك القطرة، لَما شُفي المريض. ومِنْ جانب آخر فلو أنَّ الطبيب أعطى المريض الماءَ بدل قطرة الدواء، سيُشفى المريض بذلك الماء [إن أراد الله شفاءه].
ففي أيّ شيء قد جعل الله الشفاء ؟ إنَّه قد جعله في إرادته، ثمّ إن تعلّقت إرادته بأمر [سيكون هذا الأمر وسيلةً للشفاء].
وفي أيّ شيء قد جعل الله العلم ؟ إنَّه قد جعله في ظهور اسم العليم وتجليه .. أمّا لو جلستَ تفكّر ألف ساعة في مطلب ما لَما اهتديت لكتابته .. فهل جاءتك تلك الفكرة الّتي كتبتها من عندك، وهل كانت تلك المواضيع والأسرار الّتي أودعتَها في كتابك هي مِنْ عندك ؟ فإن كان ذلك مِنْ عندك، فلماذا لم تكن تعلم عنها أيّ شيء مِنْ قَبْل ؟! ومِنْ أين حصلت على قدرة إنفاذ الكلام في قلوب الآخرين، ألم يكن الله هو الّذي أجرى ذلك الكلام على لسانك فاستفاد منه الآخرون الآن ؟! أذلك مِنْ عندك أم أنَّه هو المتكلّم والمُلقي {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى * وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى}۱.
كل ما لدينا هو من الله وليس من أنفسنا شيئ
رحم الله مولانا الروميّ، فما الّذي قاله في هذا المجال .. سمعتُ بأنَّه قد تمّ عقد مؤتمر حول مولانا الروميّ، وقد اعترض البعض على انعقاده، والحال أنّه لو أقام هذا البلد ثلاثمائة وستين مؤتمرًا في السنة لمولانا لَمَ وُفِّيَ بحقّه .. فأين يمكننا العثور على المعارف، فهل نستطيع العثور عليها في الكتب المتضمّنة لأحكام الحيض والنفاس، أم أنَّنا سنجدها في كلمات هؤلاء العظماء .. فهم وحدهم الّذين أوفوا الموضوع حقّه .. نعم، لقد أدَّى أمير المؤمنين المطلب حقّه، كما أدّاه هؤلاء العظماء مِنْ تلامذته [عليه السلام]. [أيعترضون على اتعقاد مؤتمر لمولانا] في الوقت الّذي يعقدون مجلسًا لفلان الّذي رحل عن الدنيا، ويسردون فيه ما قام به مِنْ أعمال قائلين: لقد بنى فلان بناية في مكان كذا، وبنى مستشفىً في مكان كذا. [وعلينا أن نتساءل هنا:] ما هو مصدر الأموال الّتي بنى بها تلك المشاريع، وأيّ بستان مِنْ بساتينه باع مِنْ أجل تمويلها، هل كان قد عمل في بيع الخضار فجمع مالًا موّل به تلك المشاريع ؟! لا شكّ أنَّه استفاد مِنْ أموال إمام الزمان، فاستثمرها في تمويل تلك المشاريع .. وهو عمل جيّد أن يقوم ببناء مدرسة وأن يقدّم مساعدات للأيتام، فكلّ ذلك عمل جيّد، إذ الناس قد أعطوه أموالًا فاستثمرها في بناء هذه المشاريع، فجزاه الله خيرًا على ما قام به غير أنَّ الأمر لا يستحق الكلام عنه.
- ) سورة النجم (٥٣)، الآيات ٤٣ إلى ٤٥.
