
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
11ولكنَّ الخطر يكمن هنا – وها أنا أعود وأكرّر ما قلته – وهو أن ننسب إلى أنفسنا أيّ فعلِ خيرٍ أو نيّة خيّرة أو عمل يتوافق مع رضا الله تعالى. ولهذا السبب نرى العظماء يوصون تلامذتهم بالمحاسبة والاستغفار في الليل حيث قالوا: على السالك – قبل أن يخلد إلى النوم – أن يراجع تصرفاته الّتي أقدم عليها منذ نهوضه مِنَ النوم صباحًا حتّى المساء. وذلك ليرى ما الّذي فعله طوال يومه؛ فإن كان عمله متوافقًا مع ما يرتضيه الله، فعليه أن يحمد الله ويشكره ويتوجّه إليه قائلًا: إلهي أنت الّذي وفقتني لأخطو خطوة في طريق الخير، فجعلتني أكتب صفحة أو أنقل للآخرين موضوعًا أو أُصلح ذاتِ بينٍ أو أُوَفِّق بين متخاصمين أو أضع حدّاً لغائلة .. فأنت الّذي وفقتني لذلك يا ربِّ، فلك الحمد على ذلك، فلولا ما منحتنيه مِنْ توفيق لَما كان لكلامي أثر عليهم ولو تكلّمت لعشر ساعات بدل النصف ساعة تلك. فعلينا أن نستحضر كلّ ذلك في أذهاننا ومِنْ ثَمَّ نخلد إلى النوم. لا أن نتفوّه بكلمات كـ (الحمد لك يا ربِّ على ما وفقّتني إليه) باللسان فقط، فهذا ليس إقرارًا واقعيًّا بالتوفيق ، بل هو إقرار شكليّ ونفاقيّ وقول مزوّر يُراد به خِداع الله. إنَّ الشكر الواقعيّ هو في إرجاع كلّ ما يستحقّ الحمد إلى صاحب الحمد الحقيقيّ، فيُنسب إليه ويُعْزى له، ثمّ نخلد إلى النوم على هذا الحال، وحينئذ يكون هذا النوم نوم الأنبياء. كما علينا أن نستغفر الله على كلّ عمل خاطئ صدر منّا وارتكبناه في يومنا.
الخطر الكامن في عمل الخير أكبر منه في الذنب
إلّا أنَّ الخطر الكامن في عمل الخير أكبر منه في الذنب، فارتكاب الذنب لا خطر كبير فيه [بالقياس إلى فعل الخير]، ولهذا يقول الله للعبد المذنب: إن استغفرتني سأعفو عنك سريعًا. كما أنَّ مرتكب الخطأ يعرف أنَّه قد أخطأ، فيخجل ويواجه الله وهو مستحٍ ممّا صدر منه.
نعم، إنَّ الخطر [الأكبر] يكمن في فعل الخير لا في فعل المعصية .. فإنَّه يكمن في ذلك الموقف الّذي يرى فيه الإنسان؛ أنّ حديثه هو الّذي جمع شمل أولئك وأزال الخلاف الّذي كان بينهم، أو أنّ موقفه هو الّذي ساعد الفقير، أو أنّ إنجازه هو الّذي أدَّى إلى شفاء المريض، أو أنَّ قائمة الدواء الّتي كتبها هي الّتي شفتْ .. ففعله للخير هو الّذي ساعد الآخرين.
