
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
10لقد سمعتُ مِنْ أحد تلامذة المرحوم العلّامة في ذلك الزمان عبارة ارتعدتْ لها فرائصي حيث قال: إنَّني أرى نفسي – مِنْ بين جميع تلامذة العلّامة – مالكًا للّياقة والقابليّة اللازمتين للوصول إلى أعلى الدرجات والفوز بذلك المقام. فقلتُ: يا للهول ! إنَّ وضعك هذا ينذر بالخطر. فاستاء منِّي كثيرًا. وقلتُ له: تُب عن كلامك هذا واستغفر الله منه، واسجد لله وابكِ على نفسك بكاءً شديدًا، فما هذا الكلام الّذي تقوله، أترى نفسك قادرة ومستعدة ؟! غير أنَّه لم يستمع إلى كلامي، واستمرّ على ذلك النهج حتّى تضخّمت أنانيّته وكبرتْ نفسه، فوصل به الحدّ إلى الوقوف بوجه أستاذه، ممّا أدَّى إلى طرده، ثمّ وصل به المقام بعد ذلك إلى أن يكتب رسائل إلى المرحوم العلّامة في أواخر حياته، تلك الرسائل الّتي كان جبيني يتصبّب منها عرقًا خجلاً ممّا كنتُ أقرؤه فيها مِنْ ألفاظ، فكنتُ أقول وأنا أقرؤها: هل يكون الرجل هو مَنْ كتب هذه الرسائل بالفعل، أم أنّ كاتبها رجل آخر.
فإنَّ الأمر جادٌّ ولا يحتمل المزاح، فما معنى أن تقول: إنَّني أرى في نفسي الاستعداد والقابليّة ! أيّها الأحمق فلو أنّك بدل أن تفوّه بهذه الكلمات كنتَ قد قرأت عبارات الإمام الصادق عليه السلام في حديث عنوان البصريّ، وتمعنّت فيها جيّدًا، لَما جاءك ذلك اليوم الّذي حلّ عليك فيه البؤس والهلاك فـ {خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبينُ}۱ .. هذه هي عاقبته.
ولهذا السبب نرى الإمام الصادق عليه السلام يقول: عليك أن تعرف أوّلًا – وقبل كلّ شيء – أنَّ التوفيق لفعل الخير يأتي مِنَ الله. وها أنا أقول لكم أيّها الإخوة؛ إن جاءكم يومٌ شعرتم فيه أنَّ ما تقومون به مِنْ خير وما تخطّونه في طريق الخير قد تمّ بواسطتكم [وقدرتكم الخاصّة]، فاعلموا أنَّ هذا الشعور هو جرس إنذار لكم .. وإن حلّ اليوم واللحظة الّتي ترون فيها أنَّ ما قمتم به مِنْ خير لم يأت مِنْ ناحيتكم، بل كان بتوفيق مِنَ الله، وكان مِنَ الممكن أن يمنحه لغيركم ولكنّه خصّكم به دون سواكم، عليكم أن تشكروا الله على هذه النعمة، كما كان المرحوم الحاجّ هادي الأبهريّ رحمه الله يقول: (إلهي إن مننت علينا بالخير فبيتك عامر، وإن لم تفعل فنحن عبيدك). نعم، هذا ما كان يقوله؛ فالله هو الّذي منحنا التوفيق وبيته عامر .. [فإن شعرنا بهذا] سنعلم حينها أنَّ الأمور تجري على ما يرام وأنّنا نسلك طريق التكامل.
- ) سورة الحج (٢٢)، جزء من الآية ۱۱.
