
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
محور البحث هو قوله عليه السلام «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ» أي إنَّ التوفيق للقيام بالخير يأتي مِنَ الله تعالى، فلولا ذلك ما تمكّنا مِنْ فعل شيء. فتنبّه آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره للخطر الكامن في عدم ملاحظة ذلك والاعتقاد به وعدم جعله محور أفعالنا وأقوالنا وأفكارنا وخواطرنا، فانبرى لتنبيهنا على مواطن الخطر آخذًا بتعدادها، معتمدًا في ذلك على مبانٍ عرفانيّة وتوحيديّة ومستعينًا بأمثلة وقصص واقعيّة مستشهدًا بأشعار وأفعال الأولياء والعرفاء الشيعة. وهذا كلّه في الجنْبة الربوبيّة للمسألة والّتي اقتصرت عليها هذه المحاضرة.
الجنبة الربوبيّة لقوله «والله أسأل أن يوفّقك لاستعماله»
2أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين
بعد أن طلب عنوان البصريّ مِنَ الإمام وصيّةً يعمل بموجبها ويستفيد منها في حياته اليوميّة، قال له الإمام الصادق عليه السلام: «أوصِيكَ بِتِسْعَةِ أشْيَاء ... وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ». ولقد بيّنتُ للإخوة بعض المطالب المتعلّقة بهذه الفقرة، على أنَّ الأمر المهمّ هنا هو ضرورة إعطاء هذه المواضيع أهميّتها المطلوبة، وإلّا فمجرد الاستماع إليها أو قراءتها لن يغني الإنسان شيئًا.
قبل الخوض في الوصايا التسع – الحيويّة والأساسيّة والّتي يجب على الإنسان مراعاتها في تعامله مع المجتمع وفي علاقاته الشخصيّة مِنْ أجل تحقيق سعادته في حياته – للإمام الصادق عليه السلام، علينا التركيز على تلك النكتة الّتي وردت في كلام الإمام عليه السلام حيث قال: «وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ».
إنَّ كلام الإمام الصادق هذا يمكن أن يُدرس مِنْ جانبين: جانبه الأول يتمثّل في نسبة التوفيق – للعمل بتلك الوصايا – إلى الله تعالى، إذ يقول الإمام هنا أنَّ التوفيق يأتي مِنْ جانب الله. فإن وضع أحدهم قدمه في هذا الطريق وتوفّق للقيام ببعض الأعمال ورأى أنَّه مهتمّ بأمر الطريق وعمل على فصل مسيره عن مسير سائر الناس، فكلّ ذلك إنَّما يتمّ لأنّ رعاية الله وتوفيقه قد شمله، وهذا ما نلاحظه في أنفسنا بكلّ وضوح، ولقد حصل مثل ذلك – بكلّ تأكيد – لكلّ واحد منَّا بشكل أو بآخر في حياته، وقد اتضح لنا أنَّ حصول ذلك إنّما كان بتوفيقٍ مِنَ الله.
ميزة مدرسة العرفان أنّها ترى بعين الباطن والحقيقة
بينما كنتُ أنا وصديقي القدير والعزيز في طريقنا إلى هنا، قال لي أمرًا لطيفًا جدّا وهو أنّه: علينا – فيما أعطانا الله مِنْ عمر – أن نكون شاكرين لأنّ المرحوم السيِّد الحدّاد كان قد أمر المرحوم العلّامة بالذهاب إلى إيران، حيث قال له: تستطيع أن تصل هناك إلى ما يمكن أن تصل إليه. ويبدو أنَّ المرحوم العلاّمة ذكر هذا الأمر في كتاب «الروح المجرد» باختصار۱. فلو أنّ المرحوم العلّامة بقي في النجف، فمِنْ غير المعلوم إن كانت هذه المواضيع ستصبح في متناول أيدينا، إذ لعلّ الظروف كانت ستختلف حينها، ولعلّ الأمر كان سيأخذ شكلًا آخر، فلا أَقَل أنّنا حصلنا بقدومه إلى هنا على هذه الفائدة الّتي نشهدها الآن. فقدومه ونشره لهذه الثقافة هو الّذي جعلنا نَنْهَلُ الآن مِنْ نبع فيض الأنوار الإلهيّة. فعلينا أن نشكر الله لأنّه مَنَّ علينا ووضع هذه المطالب في متناول أيدينا.
- ) راجع «الروح المجرد» للعلّامة السيّد محمّد حسين الطهرانيّ، ص ٣٩.
