
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
4فبدأ هذا الرجل [المعمّم] بالكلام قائلًا: إنَّ المجلس يمضي بالسكوت – وطبعًا لم يكن الرجل ليخجل مِنْ تصرفه ذاك، فيا غبيّ إن تمّت دعوتك لحضور المجلس فاجلس مكانك ولا تتكلّم – ها هو المجلس يمضي بالسكوت، ولقد بذل المُضيف جهدًا فلا تُفسدوا عليه جهوده بهذا السكوت، فلْيُطرح موضوعٌ علميّ للبحث والمناقشة لكي لا تذهب جهود المُضيف هباءً ولكي يحلّ لنا أن نأكل طعامه. ما شاء الله على هذا العقل الوقّاد الّذي يمتلكه وعلى هذا الفهم والمعرفة !! لاحظوا ماذا يقول في محضر ذلك الرجل العظيم، يقول: لو لم يتمّ طرح موضوع علميّ في هذا المجلس سيحرم علينا تناول الطعام. [أقول: نظرًا لمستوى فهمك] فلعلّه يحرم عليك أنت بالذات أن تأكل حتّى الشعير !! انظروا إلى هذا النوع مِنَ التفكير .. يا جاهل إنّك في مجلسٍ يحضره مَنْ هو أفضل وأفهم وأعلم منك .. ألاحظتم ؟!
نعم، إنَّ أمورنا لا يمكن أن تصلح بالكلام فقط، بل يتطلّب الأمر فهمًا وعملًا وطاعًة ويتطلّب كلّ ما على الإنسان أن يتعلّمه ويستوعبه بقلبه وروحه ويتطلب العمل بموجبه. فنحن لسنا بأشرطة تسجيل صوتي .. انظروا إلى أجهزة تسجيل الصوت الموجودة هنا الآن، فما هو عملها ؟ إن عملها هو تسجيل الصوت، وليس لها أيّة مهمّة وراء ذلك، كما أنّ عملها هذا لا يستوجب تميّزها. أمّا نحن فنتمتّع بالعقل والوجدان والقلب والبصيرة، ولقد جُعل وعاؤنا الوجوديّ وعاءً قادرًا على تلقّي الحقائق وعلى إيصال القابليّة إلى مرحلة النضج والإثمار، فكيف يجوز لنا – والحال هذه – أن نتخلّى عمّا خُلقنا عليه، وأن نبدّل أنفسنا إلى جهازِ تسجيلٍ صوتيٍّ همّنا الاستماع والحضور في المجالس المختلفة وطَرْق أبواب هذا وذاك، والحال أنّ ليس هذا هو المطلوب منَّا، فلا يمكننا الحصول على ما نريد بمجرد حضور المجالس.
إحياء الذِّكْر وسلوك الطريق لا يكون بالأفعال الصوريّة
لقد أكّد الإمام الصادق وباقي الأئمّة عليهم السلام كثيرًا على إحياء ذِكْر الله والأئمّة، حيث قال: رحم الله عبدًا أحيا ذكرنا۱. وإحياء الذِّكْر لا يتمثّل بنداءات يا حسين يا حسين، ولا بلطم الرؤوس وتعليق الأعلام .. إذ لا يُنظر لتلك الأعمال على أنَّها إحياء للذكر، بل هي أفعال صوريّة ظاهريّة ليس إلّا. فإحياء الذِّكْر يتمثّل في الإرشاد والتوعية وتدليل الناس على كلّ ما يُرضي الإمام عليه السلام، وهو يتمثّل في تبيين مواقف المذهب الشيعيّ والعقائد الّتي وصلتنا عن الأئمّة عليهم السلام. فإن قمنا بهذا العمل، سيتشجع الآخرون للسير على خُطى الإمام عليه السلام، نعم، إن قمنا بهذا العمل – ولا اقصد نفسي هنا – سنكون قد أحيّينا ذِكْرهم. وبعبارة أخرى: يجب إقامة المجالس الّتي تُبيّن فيها كيفيّة اتّباع الشيعيّ لمباني مدرسة الأئمّة عليهم السلام، سواء كان الحضور رجلين أو مائة أو مليون رجل، إذ ليس ذلك بالأمر المهمّ. هذا هو معنى إحياء الذِّكر، أمّا أن يكون المجلس عبارة عن أشعار ونَوْح وبكاء، فلا فائدة ترجى منه. وينطبق هذا الأمر على مجالس الأعياد والاحتفال بموالد الأئمّة أيضًا.
- ) وسائل الشيعة، ج ۱٣، ص ٢۱.
