
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
21أتعلمون مَنْ يكون المرحوم القاضي .. إنَّه الرجل الّذي لا يراه أحد في العشرة الأخيرة مِنْ شهر رمضان، وكان إحياؤه لليالي شهر رمضان مشهودًا للجميع، وكان الجيران يسمعون بكاءه ونحيبه ليلًا ويتناقلون ذلك. فهل كان الآخرون يفعلون كما يفعل أم كانوا ينشغلون باستهلاك كيلوغرامات مِنَ التبغ والقهوة ليلًا، ثمّ تُلقى [مخلّفات ذلك] أمام بيوتهم صباح اليوم التالي. أيمكن أن تحصل تلك الحالات لمَنْ يتصرّف بهذا الشكل، فإن كان ذلك ممكنًا فأروني لِمَنْ حصلت !
إنَّ المطالب الّتي ينقلها العظماء لم يأتوا بها مِنْ بيوت خالاتهم، فهم قد طووا الطريق؛ فتراهم مِنَ الناحية العقليّة أعقل الناس ومِنَ الناحية العلميّة أعلم الناس ومِنْ ناحية المكانة أرفع الناس. فما أتى به العظماء لم يكن مِنْ منازل عمّاتهم أو مِنْ خلف الجبال، فهم يتمتّعون بأعلى الدرجات العلميّة والفقهيّة والمكانة، فجاءوا لبيان تلك المطالب لنا [مِنْ مقاماتهم تلك]. غير أنَّ تلك هي طبيعة الناس فمنهم مَنْ يميل إلى الأخذ بهذا الجانب، ومنهم مَنْ ينكر صحته.
أتتركون الشمس وتتوسّلون بشمعة
جاء إلى المرحوم القاضي مَنْ يطلب منه نصيحة، فقال لهم: لا يوجد لدي ما أنصحكم به سوى أن تعملوا بما جاء في روايات الأئمّة الموجودة في كتب الشيعة. فقالوا له: نريد أن نسمع منك أنت. فقال لهم: إنتهى الأمر إذًا، فهذا ليس بالمكان المناسب لكم. إنَّ مَنْ يتهاون بروايات الإمام الصادق – أتلاحظون فهذا عين ما قلته لكم – ويطلب النصيحة منِّي أنا السيِّد القاضي، فهو لا ينفع في هذه المدرسة، إذ كيف وصلت أنا لما وصلت إليه .. ألم يكن ذلك عن طريق العمل بموجب روايات الإمام الصادق والتتلمذ في مدرسته ؟ نعم لقد وصلته بواسطة الدراسة في هذه المدرسة. وها أنتم تَدَعُون الإمام الصادق والإمام السجّاد جانبًا وتطلبون منِّي إرشادكم وتريدون أن تتّبعوني.
نقل المرحوم العلّامة حكاية عجيبة قال فيها: كنتُ في كربلاء يومًا، فذهبت لزيارة سيِّد الشهداء عليه السلام صباح أحد الأيّام، فحصلتْ لي حالة [معنويّة] هناك – ولم يشرح طبيعة الحالة غير أنَّ الأمر كان واضحًا مِنْ خلال القرائن والشواهد – وكان أمرًا عجيبًا جدّا، فصادفتُ أحدهم في الإيوان وكان مِنَ الّذين يميّزون تلك الحالات بمجرد إلقاء نظرة على وجه الشخص، فلمّا رآني عرف أنَّ أمرًا عظيمًا قد حصل لي، فقال لي: أتوسّل بك يا سيِّد محمّد حسين. فقلتُ له: ألا تستحي، ألا تخجل، فها هي الشمس طالعة وأنت تتوسّل بشمعة. نعم، ها هي الشمس طالعة، وأنت تريد ضياءً مِنْ شمعة !
