
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
2أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين
قال عنوان البصريّ للإمام الصادق عليه السلام: «يَا أبَا عَبْدِ اللهِ، أوْصِنِي». قَالَ الإمام: «أوصِيكَ بِتِسْعَةِ أشْيَاءَ، فَإنَّهَا وَصِيَّتِي لِمُرِيدِي الطَّرِيقِ إلى اللهِ تعالى، وَاللهَ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ».
طلب عنوان مِنَ الإمام أن يعطيه برنامجًا عمليّا وأن يوصيه بما يعينه على تنفيذ التعليمات والأوامر الّتي أمره بها سابقا. فقال الإمام: راع هذه الوصايا التسع، فهي وصيّتي لك ولكلّ مَنْ يريد طيّ الطريق إلى الله تعالى.
قلّة الكلام من مقوّمات السلوك
يُستفاد مِنْ كلام الإمام عليه السلام أنَّ طيّ الطريق إلى الله يختلف عن الالتزام بالتعاليم الإسلاميّة الظاهريّة. فجميع المسلمين يدّعون أنَّهم مسلمون وأنَّهم يعملون بموجب التكاليف الّتي أوجبتها الشريعة الإسلاميّة، غير أنَّنا نرى الإمام يقول هنا: إنَّ هذه الوصايا التسع هي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، أي هي للّذين يهدفون إلى طيّ الطريق إلى الله.
ومِنَ الواضح للإخوة الّذين قرؤوا هذه الرواية عدّة مرات، أنَّ الكثير مِنَ التعليمات الّتي جاءت فيها ليست مِنَ الواجبات، فمَنْ لا يلتزم بها لن يَفسُدَ إسلامه الظاهريّ. ومِن أمثلة ذلك مسألة قلّة الكلام، إذ تقليل الكلام ليس واجبًا على المسلم. فها نحن نرى البعض يتكلّم ويتكلّم كمحرك السيّارة الّذي يبدأ بالعمل حال تشغيله ولا يتوقف ما لم يتمّ إطفاؤه، هكذا هو حال البعض؛ فإن جلس في مكان ما وبقي صامتًا لا يتكلّم سيشعر أنّه فاقد لشيء. وإن حضر مجلسًا، فلا بدّ أن يبدأ بالكلام – كما نرى ونشاهد ذلك في المجالس – فإن بقي صامتًا لمدّة ساعة سيشعر أنَّ وقته ذهب هباءً.
في السنة الّتي زار المرحوم السيِّد الحدّاد رضوان الله عليه إيران، أتذكّر أنّ أحد المؤمنين مِنْ أصدقاء المرحوم العلّامة دعانا لتناول طعام العشاء، وكنتُ حينها صغيرَ السنِّ، وقام هذا الرجل ولهدف في نفسه لا أعرف له حكمة – شأنه في ذلك شأن بقيّة الأعمال الّتي يقوم بها عادةً – بدعوة رجل له علاقة محدودة بالمرحوم العلّامة – ولا أدري إن كان لا يزال حيّا أم توفّيَ، فإن كان حيّا سيكون مِنَ المعمّرين الآن – مع أنّه لا يوجد أيّ تناسب بين طبيعة ذلك الرجل مِنْ جهة وبين السيِّد الحداد وهذا المجلس مِنْ جهة أخرى. لقد كان الرجل ثرثارًا، فما إن يجلس في مكان حتّى يبدأ محرّكه بالعمل، أي يشرع بالكلام في هذا الموضوع وذاك.
