
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
14وهكذا كان منهج أمير المؤمنين، فمنهجه منهج حقّ، فلقد كان يُبيّن واقع الأمر سواء قبِله الآخرون أم لم يقبلوه. ولقد رفضوه بالفعل وقالوا له: إنَّنا لا نؤمن بما تدعونا إليه يا عَلَيّ. فقال لهم: لا شأن لي بكم إذًا. ولكن لا يمكن أن يقول عَلِيٌّ لهم: أنا مستعدّ للتخلّي عن منصب الإمامة، وأنا أقبل وأرتضي إمامتكم. كلّا، بل كان علِيّ يقول لهم: أنا الإمام وأنا خليفة رسول الله مِنْ بعده وأنا وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة، فإن كنتم لا ترضون بذلك، فلن أصرّ عليكم.
ولا يزال الأمر اليوم على ما كان عليه، فما الّذي فعله أمير المؤمنين عندها، هل شهر سيفه في وجوههم، كلّا لم يفعل ذلك. ثمّ [لم يكتفوا بذلك] بل طلبوا منه القبول بإمامتهم. إنَّ القبول بإمامتهم لا يشبه عمليّة حقن دواء البنسلين في جسم المريض، والّذي يأخذ طريقه في جسمه سواء رضي المريض بذلك أم لم يرض، ولا يشبه تناول قرص الدواء الّذي يبدأ عمله ما إن يدخل المعدة، بل إنَّ الإمامة والولاية أمرٌ تكوينيٌّ نازلٌ مِنَ الله، وهي لا تشبه في حال مِنَ الأحوال الحقنة أو قرص الدواء. نعم، مِنَ الممكن أن يصدق ذلك على الإمامة والخلافة والإمارة الظاهريّة الّتي تتمّ بانتخاب الناس، فهم ينتخبون الحاكم في هذا اليوم ثمّ يعزلونه في اليوم التالي وينصّبون آخر مكانه. أمَّا تلك الإمامة المنصوص عليها مِنْ قِبَلِ الله فهي إمامة تكوينيّة، فهي ليست مِنْ قبيل تلك الأشياء الّتي يمكن منحها والتبرّع بها للغير.
إنَّ تلك الخلافة الّتي صرّح بها رسول الله هي إمامة وولاية تكوينيّة، وهي لا تشبه تلك الإمامة الظاهريّة الّتي حصلتْ باختيار أبي بكرٍ ... في سقيفة بني ساعدة المشؤومة ... حيث أجلسه عمر على أريكة الخلافة والزعامة الّتي اغتصبوها مِنْ صاحبها الأصليّ.
[وعلى كلّ حال] فذاك هو المذهب الحقّ إذ يقول: إن كنتُم غيرَ مستعدين لقبول الحقّ [بإمامتي] فلا نزاع لي معكم، ولكن منصب الإمامة لا يمكن أن يُسلب منِّي وإن كنتم لا تقبلون [إمامتي]، ولن أنزعج ولن ألطم على رأسي بسبب ما فعلتم، ولكنّ الويل لكم على ذلك. هذا ما كان يقوله أمير المؤمنين، ويقول: سأعتزلكم في بيتي، وذلك أفضل لي، وسأقوم بحفر الآبار وزراعة بساتين النخيل وسأجعلها وقفًا للآخرين وسأشتغل بأموري الأخرى. فإن كنتم ترغبون في الحرب، فلْيضرب أحدكم رأس الآخر، واختلِفوا فيما بينكم. فإنّ الله سيبتليكم ويُشغلكم ببعض ويُلبس عليكم أموركم بحيث توصلون ليلكم بنهاركم في الحيلة والمكر والنفاق والألاعيب السياسيّة وضرب هذا لرأس ذاك، وسيجعلكم تنسون عَلِيّا.
