
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
12الوحدة لا تحصل بالتخلي عن الثوابت الحقّة بل تحصل بالاجتماع عليها
نحن نسمع أمورًا عجيبة هذه الأيّام، وإنَّها لأمور عجيبة حقّا، نعم إنَّني أتعجّب ممّا أسمع، فكلّما مرّ علينا يوم نرى شيئًا جديدًا .. فها نحن نرى كيف تضعف قوّة المباني الأصيلة لمذهب التشيّع في أذهان البعض، وكيف تتحوّل ولاية أمير المؤمنين عندهم إلى أمر عاديّ شأنه شأن مسألة الشكّ في الصلاة. لقد سمعتُ أنَّ أحد السادة سُئل عن الغدير وولاية أمير المؤمنين، فقال: إنَّها ليست مِنَ الضروريّات، بل هي لا تختلف عن بقيّة المسائل الاجتهاديّة كالصلاة وغيرها، فلكلّ مجتهد فتواه الخاصّة في هذا الموضوع؛ فقد يُفتي فيها أحدهم بشيء، ويُفتي الآخر بشيء آخر. فقلتُ: ما إن يمضي علينا يوم حتّى تُجلب لنا فاكهة جديدة مِنْ ذلك البستان۱، فها قد ظهر علينا مِنْ مدينة قمّ مَنْ يُنكر حادثة الدواة والقلم٢ قائلًا: إنَّ هذه القضية غير صحيحة، معاذ الله أن يتجاسر خليفة المسلمين عمر ويقول عن رسول الله «إنَّ الرجل ليهجر». [أقول] أتعلمون ما معنى كلام عمر ذاك ؟ إنّ قوله «إنَّ الرجل» هي بمعنى «إنَّ هذا» [الّتي تستعمل للاستخفاف]، بل هناك معنى أكثر دقة لكلمته تلك ولكنَّي لا أستطيع أن أنطق به لقباحته، فأفضل تعبير مؤدّب يمكن أن تفسّر به كلمة (الرجل) تلك هو لفظ (هذا)، فهو يقول: إنَّ هذا يهذي. فكم هو رجل عديم الحياء ! إذ كيف يتلفّظ بمثل هذه الكلمة في محضر رسول الله ! فكلمته مِنَ الوقاحة بحيث يطأطئ أهل السنّة – الّذين يتولّون جناب الخليفة عمر حتّى الآن – رؤوسهم خجلًا. فما الّذي يمكن أن يعتذروا به عن مقولة عمر تلك وعلى أيّ محمل يستطيعون حملها ؟! أفلا ينزعجون إن قال لهم أحد: إنَّك تتخبّط في كلامك يا هذا. فكيف بمَنْ يقول هذا الكلام لرسول الله حين احتضاره. ولكن نجد القوم يكتفون بالقول: نحن لا نجد تفسيرًا له. هذا في الوقت الّذي يأتي مِنَ الشيعة مَنْ يُنكر حصول ذلك أساسًا ! فيا للحُسن ! فما الّذي قادهم إلى هذا المستوى ؟! إنّ ذلك يحصل بسبب أنّهم وضعوا دروس الإمامة والولاية والتوحيد والعرفان جانبًا، واشتغلوا بدلًا عنها بأمور أخرى. ثمّ يأتي مَنْ يتنازل عن مسألة أخرى، ويأتي ثالث ليقول شيئًا آخر، حتّى يصل بنا الأمر إلى التخلِّي عن موضوع الولاية.
- ) هذه ترجمة صدر بيت شعرٍ للشاعر النظاميّ استشهد به هنا سماحة السيِّد وهو «هر دم از اين باغ بَرى مى رسد». والجدير بالتوضيح أن مراد السيّد في المقام هو نقد القائل بأنّ الولاية ليست مِنَ الضروريات. [المترجم.]
- ) هذه إشارة إلى الحادثة المعروفة برزية يوم الخميس – المتفق على وقوعها مِنَ الفريقين – عند احتضار النبيّ | حيث قال (إئتُوني بِدَوَاةٍ وَصَحِيفَةٍ أكْتُبُ لَكُمْ كِتَابا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَدًا)، فقال عمر: إن الرجل ليهجر. (م)
