
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
9كنتُ أطالع قبل ليلتين أحد مؤلّفات المرحوم العلّامة لسببٍ ما، فاستوقفتني إحدى فقرات الكتاب، فقرأتها ووضعت الكتاب جانبًا واستغرقتُ في التفكير بشأنها لمدة ساعة كاملة إلى أن غلبني النعاس. فتلك المواضيع الّتي كتبها الرجل إنَّما كتبها لنا، لنستفيد منها في يومنا هذا، ولكنّنا لا نعيرها اهتمامًا فنضعها في بيوتنا لنتبرّك بها ونقنع أنفسنا بكفاية امتلاك مجموعة مِنْ كتبه، وقد نستفيد منها كمهر نقدمه لزوجاتنا عند العقد. [فإن سُئل أحدهم:] كم صفحة مِنْ هذه الكتب قد قرأت حتّى الآن. [لقال:] سأبدأ بقراءتها إن شاء الله. أَمِنَ الصحيح أن يجري الأمر بهذه الكيفيّة ؟ وإن سُئلنا: في أيٍّ مِنْ تلك الكتب يوجد الموضوع الفلاني .. أو ما هو رأي سماحته في موضوع كذا ؟ سوف نعجز عن الإجابة. علَيّ أن أقول هنا أنّ كتابات سماحته وجمعه لها بهذه الكيفيّة لهو أمر غير عاديّ وهو كنز غير قابل للوصف. فيجب علينا أن نُمْعِنَ التفكير في كتاباته وأحاديثه وخطاباته بشكل أكبر.
كان سماحته يقول: ما مِنْ شيء إلّا وتجدوه في هذه الكتب، وما مِنْ شيء إلّا وقلته لكم. فلا تتوهّموا أنّ القضيّة المهمّة هي القضيّة الغير العاديّة الّتي سيتحدّث عنها، وأنّ فتح الطريق للإنسان سيكون بأمر يطرحه في جلسة خاصّة، وأنّ الكفيل الأكيد لنجاحنا – كما بيّنتُ في المجلس السابق – هو فرصة اللقاء الخاصّ به .. كلّا يا سادة، فالأمر ليس بهذه الكيفيّة، بل إنَّ كلّ ساعة تمضي علينا هي وقت اللقاء الخاصّ، وكلّ لحظة تمرّ علينا هي لحظة حضور، وكلّ آنٍ نمرّ به هو آن شهودٍ. نعم، إنَّ الأمر ليس بالشكل الّذي تتصوّرونه، فلو تصوّرناه بتلك الكيفيّة نكون قد خرجنا عن الموضوع الأصليّ وأشغلنا أنفسنا بمواضيع عاديّة. على أنَّ هذا ليس بالأمر الجديد، فهكذا كانت تجري الأمور في عهد رسول الله وفي عهد أوليائه.
العقل وسيلة السلوك والابتعاد عن الاعتباريّات
قد نقلتُ لكم سابقًا حكاية الشخص الّذي التقط صورة للمرحوم القاضي – ولم يكن المرحوم القاضي يسمح لأحد بتصويره – ثمّ جلبها معه إلى مجلس المرحوم القاضي حين كان تلامذته جالسين حوله، فجلس الرجل في إحدى زوايا المجلس وأخرج الصورة، فهرع إليه [بعض] التلاميذ وتجمّعوا حوله لأخذ الصورة منه، والمرحوم القاضي جالس في مكانه يضحك ويقول: أنا جالس هنا وهم يتشاجرون حول صورتي هناك. نعم بعض تلامذة المرحوم القاضي بقوا جالسين في أماكنهم فلم يترك الجميع مكانه [ليلحق بالصورة]. [أقول] هذا ما كنتُ أقصده في كلامي، فأهل المعرفة مِنْ تلامذته هم مَنْ سينالهم نصيب أكبر مِنَ التوفيق.
