
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
8إنَّ الصلاة بعمامة تختلف كثيرًا عن الصلاة حاسر الرأس، غير أنَّه لا يوجد الآن مَنْ يطيع الأمر ويلتزم بلبس العمامة. يقول العلّامة الطباطبائيّ: كنتُ أصلّي صلاة المغرب يومًا، وكان ذلك بعد ارتحال المرحوم القاضي، وكانتْ العمامة على رأسي وقد نسيتُ التحنّك بها ، وما إن كبّرت تكبيرة الإحرام حتّى شعرتُ بفتحة الباب، فدخل المرحوم القاضي متوجّهًا نحوي، وكنتُ في نصف سورة الحمد عندما وصل إليّ فقام بفتح حنك عمامتي ثمّ انصرف.
فهل نستطيع أن نصل إلى ما وصلوا إليه، أم أنَّ الخطّ الّذي يسير عليه أولئك الّذين بلغوا المقامات يختلف عن الخطّ الّذي يسير عليه غيرهم. فصلاة ذلك الرجل الّذي يقف بانتظام ما دام يُصوَّر، هي صلاة لأجل كاميرا التصوير وليست لله .. فأنت تصلّي للكاميرا يا هذا، وإن كنتَ تُطرق رأسك إلى الأرض أثناء الصلاة [أمام الكاميرا]، ولكن هل تفعل ذلك عندما تصلِّي في البيت وحدك ؟!
إنَّ المرحوم القاضي وباقي أولياء الله لا يفعلون هذه الأمور، فلا تفْرق صلاتهم سواء كانتْ أمام الناس أو في خلوتهم. نعم هم يراعون بعض الأمور [مِنْ جهة] أخرى؛ فالمرحوم الشيخ الأنصاريّ [مثلًا] كان يؤدِّي صلاته في المسجد بشكلها المعتاد، أمّا في خلواته حيث لا يراه أحد فكان يؤديها بكيفيّة وخصوصيّة أخرى. فهؤلاء هم مصداق مَنْ [خصّهم] الإمام الصادق بوصيّته عندما قال: (فإنَّها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى)، فالوصية هنا تعني الوجوب. فإن التزمنا بوصيّة الإمام سنكون مشمولين بكلامه عليه السلام، وإلّا فلا. وهذا ممّا لا شكّ فيه أبدًا، لأنَّ القائل هو الإمام الصادق لا غيره مِنَ الناس، وكلام الإمام المعصوم لا يقبل النقض، فيكون هو الضامن. فالإمام هو الّذي قال: هذه وصيتي – إشارة إلى وصايا الإمام التسع – لمريدي الطريق إلى الله تعالى، فمَنْ عَمِلَ بموجبها يكون مشمولًا لها، ومَنْ لا يريد العمل بها فليس كلامي موجّه إليه أساسًا ولا شأن لي به سواء كان مِنْ أهل العلم أم شخصًا عاديّا. إنَّ مشكلتنا – كما قلتُ – تكمن في تقصيرنا في العمل بموجب الوصيّة واستهانتنا وعدم الاهتمام بها.
