
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
25مِنَ الواضح أنَّ تلك المجالس لا يتمّ فيها ذكر الله، فقد شهدتُ مثلها بنفسي، فلا يجري فيها سوى التطرّق لما يجري هنا وهناك مِنْ أحداث وما فعله هذا وقاله ذاك. ثمّ عندما يخرج مثل هذا مِنْ هذا المجلس يقول: ما دمتُ عائدًا إلى بيتي، فسأمرّ على السيِّد محمّد حسين إذ بيته يقع في طريقي. وذلك ليمضي معه ساعة أو ساعة ونصف.
كان الأمر عجيبًا جدّا بالنسبة لي ! قال المرحوم العلاّمة مرّة: إذا جاء فلان إلى هنا، فقولوا له ليس لدي وقت للقائه. نعم بهذه الصراحة .. وقد حصل هذا الأمر مرّة أو مرتين – ولعلّ العلّامة نبّه على ذلك لأنّه كان يحتمل حصوله، فكان يعلم أنَّ ذلك الرجل سيحضر إلى منزل فلان في منطقة «تجريش»، حيث سيعقد المجلس في تلك الليلة – في نفس الوقت المعتاد، فطُرق الباب عند الساعة الحادية عشر والربع أو الحادية عشر والنصف ليلًا. فقالوا له: إنَّه هو (ذلك الرجل). فقال: ليس لديّ الوقت الكافي، فأنا مشغول بالعمل والمطالعة. وهو حقّا لم يكن يمتلك فائضًا مِنَ الوقت، وهذا ما كنَّا نشاهده بأنفسنا .. فهو ليس مِنْ ذلك النوع الّذي يمضي أيّام حياته باللغو والعبث، بل كان لديه ما يشغل باله مِن آلام نفسه ومصائب الطريق ومشاكل السلوك، وهو يبحث عن علاجها .. أمّا ذلك الّذي يمضي وقته مِنَ الساعة الخامسة حتّى الساعة الحادية عشرة ليلاً بالأكل والحديث والضحك، لا يشعر بوجود نقص في نفسه عليه ترميمه، بالرغم مِنْ أنّهم يؤدَّون الصلاة ويصومون ويقومون بالوعظ والخطابة.
ولكن حديثنا هو عن المقصودين بقوله × «فإنَّها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى»، فمَنْ هم هؤلاء ؟ إنّهم أمثال السيِّد محمّد حسين، إنّهم أولئك الّذين يشعرون بمرضهم ويريدون علاجه .. لا الّذين يحضرون تلك المجالس، فإنّهم وإن كانوا لا يمضون أوقاتهم بارتكاب المعاصي والمحرمات، ولكنَّهم يمضونها باللغو واللهو، فتراهم إذا وصلوا منازلهم يشغّلون التلفاز لمشاهدة كرة القدم حتّى يحين أذان الصبح، فيمضون أوقاتهم في تتبّع أهداف هذا الفريق وخصمه، فمَنْ الّذي يقوم بمثل هذه الأعمال ؟ إنَّهم الّذين يكتفون بالصلاة والصيام لا غير .. ثمّ يأتي منهم مَنْ يقول: إنَّ تلك الأمور [السلوكيّة] تحصل للمرء تلقائيّا دون الحاجة لتهذيب النفس وقيام الليل والتفكّر وتربية وإعداد النفس ودون الحاجة لأيّ شيء آخر .. [فإن لم تحتاج في السلوك إلى هذه الأمور] فإلى أيّ شيء تحتاج إذًا ؟ [سأترك لكم الجواب] فأنتم تعرفون الجواب أحسن منِّي. وخلاصة الأمر:
