
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
خصّص الإمام الصادق عليه السلام وصيّته لمريدي الطريق الّذين لا غنى لهم عن التوفيق الإلهيّ. فاستظهر آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره أنّ هذا التخصيص يوجب فرقًا بين السالك وغيره وبين الأحكام الظاهريّة وأحكام طيّ الطريق ويوجب حاجةً إلى تربية النفس. واعتمد في بيانه على طرح موارد الفروقات وشرحها، مستعينًا بأمثلة واقعيّة. ثمّ رتّب مجموعةً مِنَ النتائج كبطلان دعوى أنّ طي الطريق يحصل تلقائيّا، وأنّ مَنْ لا يستمد التوفيق مِنَ الله في السلوك يقع في شر أعماله، وأنّ تصرفات الأولياء وأقوالهم تأتي مِنَ المقامات العالية.
السالك لا يلحظ إلا الحقّ ولا يرتب الأثر إلا عليه
11لقد كان المرحوم العلاّمة ينظر إليه، ثمّ التفت إليَّ – وكنتُ في السابعة أو الثامنة مِنْ عمري – وقال: انظر، فهذا نوع آخر مِنَ الزبائن. فما الّذي يبتغيه هذا الرجل [مِنْ طلبتاه هذه] ؟! لا شكّ أنَّه كان يمتلك مكتبة في بيته باعتبارها جزء مِنْ أثاث الزينة للبيت، هذا والحال أنّ [صاحب البيت قد يكون] جاهلًا إلى حدّ أنّه لا يَعرف إن كانت كلمة (مكتبة) تُكتب بالتاء الممدودة أم المربوطة، إذ المهمّ أن يكون في صالة منزله أثاثًا تحت عنوان مكتبة، وأنتم تعلمون هذه المسائل أحسن منِّي، فهم يريدون وجود مثل هذا الأثاث في البيت ليكون دالّا [على أنّهم أهل ثقافة وعلم].
كانوا ولا يزالون يصمّمون قسمًا مِنَ البيت بشكل حانةٍ۱، ويصرّون على وجوده في البيت. فهُم وإن لم يضعوا فيها المشروبات المحرمة ولكنّهم لا يعلمون بحرمة ما يفعلونه، فوجوده محرّم ويبعث على النكبة ويمنع الملائكة مِنَ الحضور وهو موجب لهجوم الشياطين الّتي تعتاد الحضور في مثل هذه الأماكن. فالبيت الّذي يحتوي على هذا النوع مِنَ التصميم والّذي يُبنى للزينة، سوف تتردّد عليه الشياطين بدلًا مِنْ تردّد الملائكة عليه. وكذلك يقومون بتخصيص جزءً مِنَ البيت يضعون فيه الكتب ذات أغلفة مزيّنة ومرتّبة بكيفيّة جذّابة. فذاك الرجل كان يمتلك موسوعةً لون غلافها أخضر، وكان هنالك مكان خالٍ بمقدار عدة سنتيمترات، فبدل أن يملأ ذلك الفراغ بالعُشب، أراد أن يملأه بكتاب [مِنْ نفس لون تلك الموسوعة].
لمؤلفات المرحوم العلّامة طبيعة خاصّة، لذا يجب علينا التعامل مع مواضيعها بشكل آخر، والنظر إليها بنظرة أخرى. ولكنّنا نتهاون بشأنها ولا نعطيها الأهميّة الّتي تستحقها.
كان رسول الله جالسًا يومًا مع أصحابه في المسجد، إذ جاء رجل يُسمّى (مالك بن نويرة) – وهو زعيم قومه ولم يكن قد أسلم في ذلك الوقت – إلى المدينة لرؤية رسول الله وإشهار إسلامه على يديه. لقد كان رجلًا قديرًا رزينًا عاقلًا وعالمًا وزعيم قومه. فتحدّث الرجل مع رسول الله وأسلم على يديه وآمن بكلّ ما أمره به الرسول، ومِنْ ضمن الأمور الّتي آمن بها ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، الّتي عرضها عليه الرسول في نفس ذلك المجلس. نعم، لقد آمن [بولاية أمير المؤمنين] بكلّ وجوده وقبلها واستساغها وتيقّن بها، فلم يكن إيمانه بها إيمانًا سطحيّا وشكليّا، [فلم يكن إيمانه بها مجرد]صوت يُسجّل على الأشرطة. ثمّ استأذن الرجلُ رسولَ الله بالعودة وهو عاقد العزم على الالتزام بما عاهد عليه الرسول، فودّعه الرسول، وذهب إلى قومه لكي يدعوهم إلى الإسلام. وعند خروجه مِنْ مجلس الرسول، التفتَ رسول الله إلى أصحابه وقال: مَنْ شاء أن ينظر إلى أهل الجنّة فلينظر إلى هذا الرجل. فلمّا سمع عمر كلام رسول الله هذا، تَبِعَ الرجلَ مسرعًا واستوقفه خارج المسجد وقال له: سمعتُ رسول الله يقول عنك الآن أنّ مَنْ شاء أن ينظر إلى رجل مِنْ أهل الجنّة فلينظر إليك، وها أنا أطلب منك الشفاعة في ذلك اليوم. فأجابه مالك قائلًا: تبّا لك، تركتَ قائل هذا الكلام، وجئتَ تطلب شفاعتي أنا المسكين الّذي لا يمتلك لنفسه شيئًا. أتلاحظون مقدار فهم الرجل ؟! هذا وبعد ارتحال رسول الله واستيلاء أبي بكر على الخلافة كان لهذا الرجل موقف مشرّف ...
- ) ويسمى «بار» في عرفهم. (م)
