
طاعة المرأة لزوجها
بين القوانين الحقوقيّة والقوانين الأخلاقيّة
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن مسألة طاعة المرأة لزوجها، فتحدّث بدايةً عن انقسام القوانين الإسلاميّة إلى حقوقيّة وأخلاقيّة، وسراية هذا التقسيم إلى دائرة العلاقات الزوجيّة، ثمّ بيّن بعد ذلك أنّ طاعة المرأة لزوجها تندرج في ضمن طاعتها لله تعالى، مستعرضًا معنىً لطيفًا لمسألة إغضائها الطرف عن حقّها إرضاءً للزوج، ليُوسّع من هذا البحث أكثر، بحيث يشمل مسألة تنازل الإنسان عن بعض حقوقه للآخرين من أجل إسعادهم، والفوائد المعنويّة العظيمة المترتّبة على ذلك، ثمّ يختم البحث ببيان أفضليّة طاعة المرأة لزوجها على عبادة سنة كاملة.
طاعة المرأة لزوجها
2أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين
عرضنا سابقًا ومن باب المقدّمة بعض المسائل عن التكاليف العائليّة والأسريّة، ونحوِ العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة اعتمادًا على التعاليم الإسلاميّة؛ أجل، يبقى أنّ ما ذكرناه عن وظيفة الرجل تجاه محيطه العائليّ كان مبتنيًا على التعاليم القطعيّة والإلزاميّة، وأمّا بالنسبة للتعاليم الأخرى الواقعة في دائرة أوسع، فإنّنا سنستعرض لاحقًا إن شاء الله تعالى بعض الأبحاث بشأنها.
انقسام القوانين الإسلاميّة إلى حقوقيّة وأخلاقيّة
ففيما يخصّ المسائل المطروحة في هذا العصر، عليّ بداية الإشارةُ إلى أنّ القوانين والتعاليم الإسلاميّة التي جرى اعتبارها في هذا المجال ذات بُعدين، شأنها في ذلك شأن بقيّة القوانين الاجتماعيّة:
البُعد الأوّل: إلزاميّ وحقوقيّ، ويُراد من الحقوق هنا تلك الحقوق التي يتوفّر عليها كلّ واحد من الطرفين تجاه الآخر، ويكون لها تأثير مصيريّ وإلزاميّ على تلك الجهة والناحية التي اتّفق بشأنها الطرفان؛ فمن باب المثال، من بين الأمور التي تلزم من الزواج وعقد النكاح جوازُ نظر المرأة للرجل، والرجل للمرأة؛ وأيضًا من الأمور اللازمة عن مسألة البيع والشراء جواز التصرّف في المال المـُباع أو المشترى، حيث يُقال لهذه الأمور أحكامًا قطعيّة وإلزاميّة، ويكون لها طابعًا حقوقيًّا، بحيث إنّ ارتفاعها سيُؤدّي بطبيعة الحال إلى بطلان تلك المسألة؛ بمعنى أنّه إذا تعاقد الطرفان، وشرطا في ضمن العقد ألاّ يرى أحدُهما الآخر، فإنّ هذا العقد سيكون باطلاً منذ البداية؛ وأيضًا، إذا باع أحدهما ملاً لآخر، وشرط عليه ألاّ يكون له حقّ التصرّف فيه، فإنّ هذه المعاملة ستكون باطلة منذ البداية؛ فهذه هي التي يُطلق عليها اسم الأحكام الحقوقيّة التي لها طابع إلزاميّ، حيث نلحظ وجود مثل هذه المسائل حتّى في العلاقات الاجتماعيّة.
البُعد الثاني: يشمل الأحكام التي لا تتوفّر من ناحية حقوقيّة على طابع إلزاميّ؛ أي أنّ الشارع المقدّس لم يضع حكمًا إلزاميًّا أو جزائيًّا في مجال هذه الأحكام، غير أنّه يُشجّع الطرفين على الالتزام بها؛ وهذا نظير الحقوق التي للجار على جاره؛ فإذا كان هناك إنسان ثريّ يُجاور فقيرًا، ولم يُقدّم له أيّة مساعدة، فإنّ هذا الإنسان ـ وفقًا للرؤية الإسلاميّة ـ لن يُواجه أيّة عقوبة، إلاّ أنّ عمله سيكون محطًّا لغضب الله تعالى، وسيُواجه هذا الإنسان مشاكل في العالم الآخر؛ فهذه هي التي يٌقال لها أحكامًا أخلاقيّة إلزاميّة؛ أي أنّها لا تتوفّر على طابع جزائيّ؛ فلا يُمكن [مثلاً] للمحكمة أن تُدين الإنسان، وتقول له: «لماذا لم تُساعد جارك؟ لماذا لم تُعن رفيقك؟ لماذا لم تستجب له حينما طلب منك الشيء الكذائيّ؟»، بينما نرى أنّ مراعاة هذه المسألة على درجة من الأهمّية، بحيث إنّ الرسول الأكرم قال: «إن نام المسلم، وكان يُجاوره مسلم جائع، فإنّه لم يمُت على ديني»۱؛ فإلى هذا المستوى من الأهمّية تصل هذه المسألة.
- أَبُو يَعْلَى الْجَعْفَرِيُّ فِي نُزْهَةِ النَّاظِرِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ رَيَّانَ، وَجَارَهُ جَائِعٌ ظَمْآنُ» مستدرك الوسائل، ج ۱٦، ص ٢٦٥. المعرّب
- أَبُو يَعْلَى الْجَعْفَرِيُّ فِي نُزْهَةِ النَّاظِرِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ رَيَّانَ، وَجَارَهُ جَائِعٌ ظَمْآنُ» مستدرك الوسائل، ج ۱٦، ص ٢٦٥. المعرّب
