
كيف نوفّق بين ضرورة التدبير عقلاً وشرعًا وبين نهي الإمام عنه
التدبير بأدقّ معانيه مطلوب مع التزام ظاهر التشريع وإخلاص النيّة والتسليم وعدم النظر إلى النتائج، والنهي هو عن التدبير المقرون بالتعلّق النفسي والتخيّلات والانخداع بخدع الظاهر والباطن. تابعت هذه المحاضرة شرح فقرة ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، ووصلت إلى حلّ المعضلة التي طالما طرحت في الجلسات السابقة من كيفيّة التوفيق بين ضرورة التدبير والتنظيم والالتزام بالمبادئ التي سبق عرضها من جهة وبين عدّ الإمام عدم التدبير واحدًا من عناصر حقيقة العبوديّة. وقد طرحت لذلك مقدّمة حول بيان معنى عالمي التكوين والتشريع والارتباط الوثيق بينهما فالتكوين هو عالم الخلق وتجلّي الذات والصفات والأسماء ويحتلّ الإنسان مقام الخلافة الإلهيّة فيه، شرط أن يلتزم بالتشريعات الواردة في عالم التشريع والمسؤوليّة، ولذلك على الإنسان أن يلتزم كعبد بتلك التشريعات بعد ثبوت كونها من الشارع ولا ينظر إلى تلك التشريعات ومدى موافقتها لرغباته الخاصّة ومصالحه الدنيويّة وإقبال الناس عليه، لأنّ الدار دار امتحان لا يمكن فيها التكامل إلا به. ولذلك هناك أنواع من الامتحانات فمنها الظاهريّ ومنها الباطنيّ. ولا بدّ من التخلّص منها بواسطة امتلاك المعايير والمباني الدقيقة. وفي المحاضرة قصص وشواهد حول تمثّل إبليس بصور ملاك أو إمام.
كيف نوفّق بين ضرورة التدبير عقلاً وشرعًا وبين نهي الإمام عنه
12وهذا الأمر مهمّ جدًّا، ولم أتعرّض لهذا الموضوع اليوم بغير مناسبة، فهذا الأمر حسّاس جدًّا ومهمّ، وعلينا أن نعلم أنه لا بدّ أن تكون خدع الشيطان واضحة لنا، وحيله ومكره واضحان لنا، فهو يأتي ويظهر لنا بصورة النبيّ، يأتي ويظهر بصورة الملَك.
قصّة حول تمثّل الشيطان بصورة ملاك
قال المرحوم العلاّمة: جاء رجل إلى أحد الأعاظم وقال: إنّ لي حالات، وعندما شرع ببيانها كان يقول هم يأخذونني هكذا، تأتي الملائكة وتأخذني من الأرض، يبقى جسمي على الأرض وترتفع روحي إلى الأعلى ـ فهناك أمور من هذا النوع، مع اختلاف يسير زيادة ونقصانًا ـ فأذهب إلى السماء الأولى وإلى الأشياء، أرى السماء الثانية، يسيرون بي حتّى السماء الرابعة ويرجعونني. والحاصل أنّ لديّ حالات جيّدة. عندها قال له ذلك الرجل: إذا وصلت إلى السماء الرابعة فقل بسم الله، فبسم الله ليست كفرًا، فقل مرّة واحدة بسم الله. وما إن وصلتُ إلى السماء الرابعة قلت: بسم الله، عندها رأيت أنّ هؤلاء الملائكة الذين يعاملونني بعزّة واحترام ويحملونني على السرير قد ألقوا بي على رأسي إلى الأرض، ولمّا قمت وجدت أنّي قرب حاوية نفايات وأوساخ، وقد سيطرت عليّ رائحة تعفّن، أي إنّ الشيطان يبدي المحيط الملوّث والعفن للإنسان على هيئة جنّة وعنبر ونسرين. فهذا من طريق الباطن. يجب أن نكون يقظين إلى أقصى الحدود! فلا نتساهل في الأمر، فهو مهمّ جدًّا. يبدي لنا المحيط العفن على هيئة أزهار الياسمين والنسرين. كلّ هذا لأنّ النفس صارت ألعوبة للشيطان، لقد سيطر عليها الشيطان، لقد ألقت تلك الأسس والقواعد والمباني جانبًا، وتلك الموازين والتي يجب أن يعمل بها جُعلت جانبًا، وعندما تُجعل جانبًا فإنّ الشيطان لا يأتي فجأة ويبدي لنا منظرًا قبيحًا، لا يأتي على هيئة غول، لا يأتي إلى الإنسان على هيئة أخطبوط. ولو أتى على هذه الهيئة فإنّ الإنسان سيفرّ بالطبع، فالإنسان بطبعه ينفر من الصور القبيحة والمثيرة للتقزّز، ولكنّه يأتي ويجعل مثال الإنسان مطابقًا لما يريده، يلوّن تلك الصور المثاليّة التي ينبغي أن نراها نحن، ويرسمها ويصوّرها. إنّه رسّام في النهاية، إنّه رسّام رسّام، ومعنى الرسّام هو من يجعل الصورة كما يريد هو في ذهنه. فالآن أمامي ساعة، فالرسّام يخرج صورة هذه الساعة عن كونها دائرة ويجعلها بيضاويّة، يخرجها عن الدائرة ويجعلها مربّعة، ويصنع لها شكلاً. فهؤلاء الذين يصنعون الأفلام ما هي حقيقة أفلامهم؟ يجلس إنسان خلف الطاولة ويشرع بصناعة المشاهد، يجعل إنسانًا ما سارقًا، ويجعل آخر قاتلاً، ويجعل ثالثًا مقتولاً، يجعل عدّة سيّارات تصطدم ببعضها، يجعلني أنا وأنت نجلس أمام ونشاهد، فهذا هو الشيطان. كلّ ما نراه يصبح شيطانًا، كلّ هذه الأفلام تصبح شيطانًا، وليس هناك صورة خارجيّة، فمن الذي كان في المشهد وصوّره؟ ولنفترض أنّه كان هناك صورة خارجيّة فماذا تنفعنا؟ جلس إنسان خلف الطاولة وكان صاحب ذهن جوّال، يأتي من هنا وهناك ويعطي المشهد حماسًا، يضيف ويزيد، ويجعل ذهن المخاطب في حال انتظار وترقّب، ففي النهاية أحدهم قتل والآخر قتِل، ثمّ جاء عدد آخر وألقوا القبض عليه. كم ساعة؟ يتلف من وقتنا ساعتين ويذروها في الهواء. فهذا شيطان. هذا نوع.
