
تفويض المسؤوليّة إلى من يليق بها
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة (أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا)، وتتحدّث حول ثلاثة مواضيع أساسيّة، بعضها لمناسبة زمان إلقائها. الأول: حقيقة العبوديّة وأنّها استبدال العبد إرادته بإرادة الله. وتعرّضت أثناء ذلك لبعض المعاملات التجاريّة التي مثِّل بها للموضوع. ولأثر كلام الإمام الصادق عليه السلام على النفس مع بعض الشواهد والقصص. الثاني: تفويض المسؤوليّة إلى من يليق بها وهو أصل المحاضرة حيث تابعت بيان مبادئ الحكومة الإسلاميّة وانتقلت إلى الحديث حول هذا المبدأ، عارضة للجدل الذي كان دائرًا حول أولويّة التخصّص في المسؤول أو الالتزام والتعهّد وتحمّل المسؤوليّة. وقد عرّفت كلاً من العنصرين وبيّنت ضرورة كلّ منهما ممثّلة بخلافة أبي بكر على عدم أهليّته لمنصب خلافة النبيّ صلى الله عليه وآله وبطلحة والزبير وعدم أهليّتهما لأن يتولّيا أيّ منصب في حكومة أمير المؤمنين عليه السلام. وقد انتهت من هذا البحث إلى كون الاختصاص هو المهمّ والأساس، مع درجة من الالتزام بما يكفي للقيام بالمسؤوليّة ولو كانت من نوع الالتزام الوطني أو الإنساني، وإن كانت الدرجة العليا هي الالتزام الإلهيّ. ثمّ تعرّضت إلى مواقف العلاّمة الطهراني وجهوده واقتراحاته في كيفيّة تنظيم الثورة والحكومة الإسلاميّة بعد انتصارها، من ضرورة المحافظة على الإخلاص وعدم العمل طلبًا للمواقع، وضرورة استقطاب أهل الاختصاص والالتزام غير الإلهيّ للاستفادة من خبرتهم وتقريبهم إلى الالتزام الإلهيّ. الثالث: حول شهر رمضان وأهمّ النقاط فيه: بيان مراتب الصوم الثلاث: صوم العوام والخواص وخواص الخواصّ. وصايا حول كيفيّة الطعام ومقداره فيه إحياء العشر الأواخر من لياليه إصلاح المشكلات القلبيّة مع الناس
تفويض المسؤوليّة إلى من يليق بها
3فمستوى الثقة والعلاقة يتضاعف هكذا، إلى أن يأتي الإنسان ويقول للآخر ويشعر في نفسه بهذا الشعور فيقول: لقد رفعت إرادتي في علاقتي معك، ووضعت إرادتك بدلاً منها. فعلى هذا الأساس، وفي المقابل فإنّ ذاك يشعر منه بذلك. فهذا يصبح ثقة مائة بالمائة، لأنّ هذه إرادته. اذهب وقم بهذا الفعل! يذهب ويقوم به بحذافيره. اذهب وأنجز هذا الأمر، فكأنّ الإنسان نفسه قد تحرّك برجله هو، وذهب وأنجز هذا الأمر. لا يزيد ولا ينقص كلمة واحدة. لا يريد إرادة واحدة هنا أو هناك. لا يعمل ذوقه الخاصّ مرّة واحدة هنا أو هناك. يقوم بالعمل كما هو.
فهذه هي العبوديّة، أن يجعل الإنسان نفسه جانبًا ويجعل إرادته بدلاً من إرادته الخاصة. حينها ماذا سيكون؟ ستكون هناك عبوديّة.
لدى الإمام الصادق عليه السلام في هذه الفقرات الثلاث التي تريد أن تبيّن حقيقة العبوديّة لعنوان البصريّ ثلاثة أمور:
الأمر الأوّل: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا. فلا يشعر العبد بالملكيّة فيما أعطاه الله، ولا يرى تعلّقًا. وما معنى التعلّق؟ يعني حين يريد أن ينام الليلة كلّ همّه التفكير في كيفيّة الزيادة وكيفيّة النقصان، ماذا أصنع بذاك الأمر؟ إن لم يكن هكذا فسيكون هكذا. نم يا عزيزي وضع رأسك على التخت واسترح. إن جاء السارق وسرق فليأت، إن حصل الزلزال وخرّب فليخرّب، هل كان لك؟ فلتنم! هل تريد المبنى لنفسك أم تريد نفسك للمبنى؟ هل تريد الرئاسة لنفسك أم تريد نفسك للرئاسة؟ هل تريد المال لنفسك أم تريد نفسك للمال؟ المكانة، الرفيق، الأمر والنهي، لأيّ شيء تريدها؟
كان هناك أحد الأصدقاء، وكان من الأقارب، من الأقارب السببيّين والنسبيّين كليهما. كان يقول: كنت في النجف، حيث كنت قد ذهبت لزيارة العتبات، وعند الظهر ورغم الحرارة العالية، وكان الوقت وقت الغداء. وكنت نازلاً في دار أحد العلماء رحمه الله والذي توفّي قبل بضع سنوات وكان في قمّ من المدرّسين المعروفين ومن الدرجة الأولى وكان من أقاربنا النسبيّين. كان يقول: كنت في منزله. وفي حرارة النجف في وسط الصيف، في وسط هذه الحرارة سمعت باب الدار يطرق، ثمّ قال: ذهب صاحب البيت ـ والذي هو ابن عمّنا ـ ليفتح الباب فبقي على الباب ربع ساعة ثمّ رجع. رأيت أنّه يضحك. قلت له: لماذا تضحك؟ ما الأمر؟ ضحك وقال: جاء أحد الذين هم على علاقة بنا إلى هنا يريد أن يخبرني خبرًا مهمًّا جدًّا! خبرًا مهمًّا جدًّا! قلت ما هو؟ ماذا حصل؟ قال: إنّ فلانًا الذي كان يشارك في درسكم في النجف، رأيته اليوم قد ذهب إلى درس فلان الذي هو من مخالفيكم. لقد جاء في حرارة الظهر في النجف ليعلمني بهذا الخطر أنّه رأى اليوم... يا سيّدي لقد كانت النجف كلّها هكذا، هكذا كانت الأوضاع. هل كان هؤلاء يقرؤون رواية عنوان البصريّ مرّتين في الأسبوع؟ لو كانوا يقرأونها لما كانوا هكذا.
