
الشورى في الموضوع لا في الحكم
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة (أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا) وتؤكّد على القاعدة التي يرتكز إليها العقلاء في حياتهم وهي اتّباع الواقع أو الطريق الأقرب إليه عند عدم وضوحه. وأنّ هذه القاعدة يجب اتّباعها في كافّة الأمور حتّى النفسيّة، ومن ذلك موضوع التفكير بالذنب. ومن مصاديق هذه القاعدة اتّباع الإمام المعصوم عند وجوده وإمكان التواصل معه ولو اتّبعت الشورى حينها فهي مخالفة لحكم العقل وملعونة. كما أنّ من مصاديقها اتّباع الشورى عند عدم إمكان التواصل مع الإمام المعصوم. ومورد الشورى هو الموضوعات دون الأحكام، وقد بيّنت المحاضرة بالأمثلة الفقهيّة الفارق بين الموضوع والحكم وأنواعًا من الموضوعات والتي لا يتعرّض الشارع لبيانها إلا نادرًا كموضوع السفر والموت، أمّ المتروك فإمّا أن يكون واضحًا لدى العرف أو يحتاج إلى أهل الخبرة، مؤكّدة ضرورة الشورى في هذا القسم الأخير. كما فسّرت آيتي الشورى في القرآن: (وشاورهم في الأمر) ـ (وأمرهم شورى بينهم). ومقطعًا من عهد أمير المؤمنين إلى مالك الأشتر (وأكثر مجالسة العلماء ومنافثة الحكماء) مبيّنة أثناء ذلك أهميّة الشورى وآثارها.
الشورى في الموضوع لا في الحكم
8وفي بعض الموارد مثلاً مسألة الموت، متى يعدّ الإنسان ميّتًا، متى تحصل الوفاة للإنسان؟ فهناك آراء مختلفة حول الوفاة، فبعضهم يقول: عندما يتوقّف الدماغ عن العمل، وهذا رأي الأطبّاء، فعندما يتوقّف الدماغ ولا يكون له أيّ نشاط من الناحية الطبّية فهذا يعدّ موتًا. أمّا عندما نرجع إلى الشرع نرى أنّه لا يعدّ مجرّد ذلك موتًا، بل يعدّ برد جسد الميّت هو الموت في الشرع. والأحكام المترتّبة على الموت تترتّب على هذا الأمر. فإذا لم يعمل الدماغ، ولم يظهر منه أيّ فعل وردّة فعل، ولا يكون له أيّ نشاط، ويتوقّف عمله بشكل كامل، ولكن في الوقت نفسه القلب يعمل، فهذا يحكي عن تعلّق الروح بهذا البدن. وبالطبع هذا عندما يكون القلب بنفسه وبدون عامل آخر من الأجهزة والوسائل الأخرى. القلب بنفسه يتحرّك، بدون جهاز، بدون وسيلة تضخّ الدم في العروق، أو بوسائل أو بأدوية أو بأغذية، بتأمين الفيتامينات، وبتأمين الموادّ التي تحتاجها الخليّة، حيث يتمّ الحفاظ على حياة حيوانيّة. فهذا من وجهة نظر شرعيّة، لا يترتّب عليه أيّ حكم. أبدًا، فلو أنّ القلب بنفسه كان يعمل ويضخّ الدم ويحافظ على حرارة البدن فلا تترتّب أحكام الميّت على هذا البدن. فلذا لدينا في غسل الميّت، إذا مسّ بعد برده يجب الغسل. وما دام حارًّا لا يجب الغسل على الإنسان. هل التفتّم؟ من هنا يعلم أنّ الموت الحقيقيّ من وجهة نظر الشرع هو هذا. الآن إذا جاء الآخرون وقالوا من وجهة نظر اختصاصهم إنّه في هذه الحالة لا يعمل الدماغ، وأنّه العضو الرئيس في البدن، وكافّة الأوامر تأتي منه، أمّا هذا القلب الذي يعمل الآن، لماذا لا يعمل بعد ثلاثة أيّام؟
ألسنا نقول إنّ الدماغ لا يعمل؟! فالقلب إذن يجب أن لا يعمل أيضًا. فضربات القلب هي بواسطة صدمات كهربائيّة آتية من الدماغ، فكيف يعمل الآن؟ لماذا بعد أن يتوقّف لا يعاود العمل من جديد؟ فمن المعلوم أنّ هناك عاملاً، وذلك العامل هو غير معلوم، ولا يمكننا نحن وفق التعبّد الشرعيّ أن نتغاضى عنه. فما دام القلب يعمل، يحرم التلاعب بهذا البدن، ويحرم قطع جزء منه، ويحرم ما يطرح في هذا العصر من أمور. فهذا من الموارد التي يعيّن فيها الشرع الموضوع. ولكن في غالب الموارد أو في تسعين بالمائة من الموضوعات وموارد الأحكام ليس تشخيص الموضوع في عهدة الفقيه.
