
الشورى في الموضوع لا في الحكم
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة (أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا) وتؤكّد على القاعدة التي يرتكز إليها العقلاء في حياتهم وهي اتّباع الواقع أو الطريق الأقرب إليه عند عدم وضوحه. وأنّ هذه القاعدة يجب اتّباعها في كافّة الأمور حتّى النفسيّة، ومن ذلك موضوع التفكير بالذنب. ومن مصاديق هذه القاعدة اتّباع الإمام المعصوم عند وجوده وإمكان التواصل معه ولو اتّبعت الشورى حينها فهي مخالفة لحكم العقل وملعونة. كما أنّ من مصاديقها اتّباع الشورى عند عدم إمكان التواصل مع الإمام المعصوم. ومورد الشورى هو الموضوعات دون الأحكام، وقد بيّنت المحاضرة بالأمثلة الفقهيّة الفارق بين الموضوع والحكم وأنواعًا من الموضوعات والتي لا يتعرّض الشارع لبيانها إلا نادرًا كموضوع السفر والموت، أمّ المتروك فإمّا أن يكون واضحًا لدى العرف أو يحتاج إلى أهل الخبرة، مؤكّدة ضرورة الشورى في هذا القسم الأخير. كما فسّرت آيتي الشورى في القرآن: (وشاورهم في الأمر) ـ (وأمرهم شورى بينهم). ومقطعًا من عهد أمير المؤمنين إلى مالك الأشتر (وأكثر مجالسة العلماء ومنافثة الحكماء) مبيّنة أثناء ذلك أهميّة الشورى وآثارها.
الشورى في الموضوع لا في الحكم
3انظروا كم يهتمّ الإسلام بهذا الأمر، يقول إنّ تفكير إنسان ما بالزنا يؤثّر أثره فيه. أمّا أن يتوب الإنسان أو يقدم على الزنا، فهذا أمر آخر خارج محلّ بحثنا. أمّا أن يمتنع الإنسان عن خصوص الإقدام العمليّ، ويفكّر في ذهنه بما يريد ويعتبره مباحًا، ويفتح قلبه على كل تخيّل وتصوّر، فهذا مخالف للسلوك والطريق إلى الله والروح، وهو يحطّ النفس من مرتبة الصعود إلى مرتبة الحيوانية ومرتبة الشهوانيّة.
لذلك، فإنّ مسألة المراقبة في جميع شؤونها، تشمل القيام بالأمور التي يعلم الإنسان أنّها مورد رضا الله قطعًا، أو أنّه لا طريق آخر سواها للوصول إلى رضا الله. أي يكون قد عمل بحجيّة الظنّ، الظنّ الغالب في حياته، فهذا الطريق يكون طريقًا عقلائيًّا.
حكم العقل بلزوم اتّباع المعصوم عند إمكان الوصول إليه
والأساس في المراتب التكامليّة للإنسانيّة هو العمل بالواقع، والعمل بالعقل، وبما تحكم به القوى العاقلة لدى الإنسان. فبماذا يحكم عقل الإنسان؟ يحكم عقل الإنسان بأنّه إن كان هناك طريق يتمكّن الإنسان من خلاله من الوصول إلى حقيقة الأمر، فمن الواجب على الإنسان العاقل لا المهمَل ولا الذي هو على أيّ حال من الأحوال، ولا الإنسان اللاأبالي، ولا الإنسان غير الهادف، ولا الإنسان الذي لا يبالي على أيّ حال يكون، بل الإنسان العاقل الذي يريد الوصول إلى أهدافه من الكمال، من الواجب عليه بحكم العقل أن يختار هذا الطريق الذي يوصله إلى المقصود.
ووفق ما لدينا من معطيات حول الإمام عليه السلام، فإن تمكنّا في موضع من المواضع من الوصول إليه، فلا بدّ من الرجوع إليه بحكم العقل. بحكم العقل يعني أنّه حتّى لو لم يقل لنا الإمام تعالوا إليّ. لو لم يقل الإمام إنّ كلّ ما تريدون ههنا، ورغم أنّه قال جميع ذلك، ورغم أنّ الإمام عليه السلام ذكر كلّ ذلك، ورغم أنّ النبيّ قال في أمير المؤمنين: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. رغم أنّ النبيّ قال في أمير المؤمنين: أتقاكم عليّ ، أعلمكم عليّ۱ ، أورعكم عليّ ، أقواكم بالحقّ عليّ ، أقضاكم عليّ٢. وهذه صيغة أفعل التفضيل، أعلم أفعل التفضيل. هذا يعني أنه لو اجتمعتم جميعًا يا أهل الكرة الأرضيّة ووضعتم عليًّا في جانب، فسوف يرجح عليّ هناك. ورجحانه أيضًا ليس رجحان قدم واحدة أو متر واحد، هو رجحان ما بين الأرض والسماء.
- أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب. الغدير، ج٣، ص ٩٦ عن: مسند أحمد ٥ ص ٢٦ ، الاستيعاب ٣ ص ٣٦ ، الرياض النضرة ٢ ص ۱٩٤ . مجمع الزوايد ٩ ص ۱۰۱ و ۱۱٤ بطريقين صحح أحدهما ووثق رجال الآخر ، والمرقاة في شرح المشكاة ٥ ص ٥٦٩ ، كنز العمال ٦ ص ۱٥٣ ، السيرة الحلبية ۱ ص ٢۸٥ ، سيرة زيني دحلان ۱ ص ۱۸۸ هامش الحلبية
- الغدير، ج٣، ص ٩٦؛ الاستيعاب ج٣ ص ٣۸ هامش الإصابة؛ مواقف القاضي الإيجي ٣ ص ٢۷٦؛ شرح ابن أبي الحديد ج ٢ ص ٢٣٥؛ مطالب السؤل ص ٢٣، تمييز الطيّب من الخبيث ص ٢٥؛ كفاية الشنقيطي ص ٤٦.
