
لا شورى مع إمامٍ وإنسانٍ كامل
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، وتتحدّث عن مصداق من مصاديق التدبير وهو الالتزام والوفاء بالعهود والشروط، وتتعرّض إلى بحث فقهي حول نوعيّ الشروط: الذي يكون في ضمن عقد لازم، والابتدائي وكلاهما واجب الوفاء عند المحاضر رضوان الله عليه. كما تابعت موضوع الشورى الذي طرح في المحاضرة السابقة، وبيّنت أنّ الهدف منها هو اتّباع الحقّ، وأنّ موردها عدم وجود الإمام المعصوم والإنسان الكامل اللذين يطّلعان على نتائج الخطوات وآثارها إلى يوم القيامة ، أو عند عدم التمكّن من الاتّصال بهما. كما أنّها تُعتمد في تشخيص الموضوعات دون الأحكام نفسها. وقد بيّنت ذلك ضمن شواهد تاريخيّة من سير الأئمّة عليهم السلام وابتلائهم بعدم تقدير من حولهم لمقام علمهم ومعرفتهم، بدءًا من أحداث مقتل عثمان مرورًا بموقف زيد الشهيد من الإمام الباقر عليه السلام، ويحيى بن زيد وأبناء عبد الله المحض من الإمام الصادق عليه السلام.
لا شورى مع إمامٍ وإنسانٍ كامل
2أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين
ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا!
قُلتُ: يا أبا عبدالله! ما حقيقة العبوديّة؟ قال: ثلاثَةُ أشياء: أن لا يرَىَ العَبدُ لنَفسِهِ فيما خَوَّلَه الله ملكًا، لأنَّ العبيدَ لايكونُ لهم ملك، يرَونَ المالَ مال الله، يضَعونَهُ حيثُ أمرَهُمُ اللهُ به، و لا يدبِّرَ العَبدُ لنفسه تدبيرًا و جملةُ اشتغالِهِ فيما أمرَهُ تَعَالَى بِهِ و نهاهُ عَنهُ.
يسأل الإمامَ الصادقَ أن ما هي حقيقة العبوديّة؟
فيقول الإمام: في أمور ثلاثة:
الأوّل: أن لا يشعر العبد بالملكيّة لما أعطاه الله، لأنّ العبيد لا يرون لأنفسهم ملكًا، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله.
الثاني: أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا.
وقد تحدّثنا حول موضوع كيفيّة التدبير وأنه ما المراد من هذه الفقرة الشريفة في هذا الحديث؟ وهل التدبير مذموم وعلى الإنسان أن لا يدبّر في أموره ولا يتأمّل؟ في حين أنّا نجد كافّة أمور هذا التدبير وهذا التأمّل على أكمل نحو وأدقّه في التعاليم الإسلاميّة.
وقد ذكرنا أنّ هناك سرًّا كامنًا في موضوع التدبير وإدارة الأمور وفق النحو المطلوب، وعدم الالتفات إليه يؤدّي إلى فساد حقيقة المسألة وتبعثرها.
وجوب الوفاء بالتعهّدات والالتزامات كافّة
وقد اهتُمّ بأمر التدبير هذا والمحافظة على الأمور من خلال التأمّل وأُكِّد عليه في مدرسة العرفان، حتّى إنّه يبدو أنّ من الواجبات الأخلاقيّة في مدرسة العرفان حتّى التعهّدات البسيطة وحتّى غير الملزمة التي تدور بين الناس، وتعدّ مخالفتها مخالفة لمبدأ سلوكيّ.
فهناك نوعان من التعهّد:
أحدهما: التعهّد الملزم بحسب الاصطلاح الفقهيّ، حيث يتعهّد الإنسان لغيره تعهّدًا أو يشترط شرطًا في ضمن عقد. ففي هذا المورد يقول الفقهاء إنّه لا بدّ من الالتزام. فلو أنّ إنسانًا جعل في ضمن عقد وفي ضمن معاملة شرطًا، فإنّ هذه المعاملة لكي تتحقّق مشروطة بأن يقوم أحد الطرفين أو كلاهما بما تعهّد به، وطبعًا هذا يجب الالتزام به عندما لا يكون ذلك التعهّد أو ذلك الشرط مخالفًا للشرع.
